Advertisement
الإجابة ليست في المستطيل الأخضر وحده، بل في مدرجاته. الرياضة، وبالأخص كرة القدم، ليست مجرد لعبة. إنها أضخم ظاهرة اجتماعية في العالم، تحرك مشاعر المليارات، وتختزل هويات بأكملها. هذا الكم الهائل من العاطفة والانتماء يجعلها قابلة للانفجار إذا اختلطت بالتوترات السياسية أو القبلية أو الطائفية، أو حتى مجرد شرارة تحكيمية في توقيت خاطئ. وعندما يحدث الانفجار، لا يقتصر الأمر على خسارة مباراة؛ بل قد يمتد إلى خسائر في الأرواح، وحرق للممتلكات العامة، وزعزعة لاستقرار بلد بأكمله.
حرب الـ 100 ساعة: حين أشعلت مباراة فتيل الحرب
والتاريخ مليء بشواهد تؤكد أن الملعب قد يصبح شرارة أزمة وطنية. المثال الأكثر تطرفاً ودموية على تأثير كرة القدم في الأمن القومي يظل "حرب كرة القدم" بين السلفادور وهندوراس عام 1969. الخلاف لم يكن على هدف، بل كان اقتصاديًا وسياسيًا في جوهره، يتعلق بالمهاجرين السلفادوريين في هندوراس وقوانين إصلاح الأراضي . لكن الشرارة التي فجرت كل شيء كانت مباراتي الذهاب والإياب بين البلدين في تصفيات كأس العالم. ما حدث لم يكن مجرد شغب في المدرجات؛ فالمباراة الأولى في هندوراس انتهت بفوز أصحاب الأرض، لتندلع أعمال عنف ضد الجالية السلفادورية هناك. بعد أسبوع، في مباراة الإياب بالسلفادور، تحول الغضب إلى انتقام، وانهالت الإهانات والاعتداءات على المشجعين والرموز الهندوراسية. بعد أسبوعين فقط من هذه الأحداث، قطعت الدولتان علاقاتهما الدبلوماسية، وفي 14 تموز، شن الجيش السلفادوري هجوماً عسكرياً شاملاً على هندوراس . في أربعة أيام فقط، سقط ما بين 2000 إلى 3000 قتيل، غالبيتهم من المدنيين، وتشرد مئات الآلاف . لم تتسبب مباراة في حرب بين دولتين من قبل أو بعد، لكنها أثبتت بشكل مرعب أن الرياضة يمكن أن تكون نقطة الاشتعال النهائية لنزاع أعمق بكثير.

كارثة هيسل
إذا كانت حرب 1969 أشعلتها السياسة، فإن مأساة ملعب هيسل في بروكسل عام 1985 كان بطلها الوحشي هو "الهوليغانز". في نهائي كأس أوروبا بين ليفربول الإنكليزي ويوفنتوس الإيطالي، تحولت المدرجات إلى ساحة حرب حقيقية. جماهير ليفربول، التي كانت تحمل ضغينة من أحداث سابقة، اجتاحت السياج الفاصل بينها وبين جماهير يوفنتوس في المدرجات المتهالكة أصلاً . حالة من الذعر والتدافع تسببت في انهيار جدار خرساني، ليسقط تحته 39 قتيلاً ومئات الجرحى .


وفي زغرب عام 1990، تحولت مباراة دينامو زغرب ورد ستار بلغراد إلى مواجهة مفتوحة بين جماهير كرواتية وصربية والشرطة، قبل عام تقريبًا من تفكك يوغوسلافيا ودخول المنطقة في حروب دامية.
وفي إندونيسيا عام 2022، انتهت مباراة أريما وبيرسيبايا بكارثة في ملعب كانجوروهان، بعدما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع عقب اقتحام جماهيري للملعب، فسقط أكثر من 130 قتيلًا، في واحدة من أسوأ كوارث كرة القدم الحديثة. هنا لم يكن الخطر في غضب الجماهير وحده، بل في سوء إدارة الحشود وردّ الأمن بطريقة زادت الكارثة بدل احتوائها. وفي غينيا عام 2024، تكرر المشهد بصورة قريبة من الحالة الليبية.. قرار تحكيمي مثير للجدل خلال مباراة في نزيريكوري فجّر صدامات داخل الملعب، ثم تدافعًا قاتلًا أودى بحياة 56 شخصًا.
وحتى في دول أكثر استقرارًا، يمكن للرياضة أن تكسر النظام العام. في فانكوفر عام 2011، خرجت أعمال شغب بعد خسارة فريق الهوكي المحلي نهائي كأس ستانلي، فتضررت عشرات الشركات وأكثر من مئة مركبة، وسُجلت اعتداءات على مدنيين ورجال أمن وعناصر طوارئ.
ما حدث في ليبيا ليس حدثاً معزولاً، بل هو استمرار لنمط عالمي تؤكد فيه هذه الأحداث مجتمعةً أن الملاعب قد تتحول بشرارة صغيرة إلى أزمة لا بل كارثة قد يصعب السيطرة عليها.












0 تعليق