القدس.. تصعيد أخطر بوجع أكبر!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى الوقت الذى ينشغل فيه العالم بأزمات متلاحقة، وحروب مفتوحة، وصراعات سياسية واقتصادية تتصدر الشاشات والعناوين، كانت القدس هذا الصباح تعيش وجعًا آخر.. وجع مدينة تترك وحيدة فى مواجهة آلة لا تتوقف.
هناك، فى قلب البلدة القديمة، لم يكن المسجد الأقصى مجرد مكان عبادة، بل بدا وكأنه ثكنة عسكرية محاصرة بالجنود والحواجز والاقتحامات، فى مشهد يعيد إلى الفلسطينيين ذاكرة الألم الممتدة منذ 59 عامًا على احتلال القدس الشرقية.

ولم تتوقف الانتهاكات عند حدود الاقتحامات والتضييق على المصلين، بل امتدت لتطال الوضع التاريخى والقانونى القائم فى المدينة المقدسة، فى تجاوز  واضح للاتفاقيات التى تؤكد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس.

وتعد الاتفاقية التاريخية الموقعة بين الملك عبدالله الثانى والرئيس الفلسطينى محمود عباس إحدى أبرز الوثائق التى تؤكد هذه الوصاية، باعتبارها التزامًا تاريخيًا ودينيًا وقانونيًا يهدف إلى حماية المسجد الأقصى والحفاظ على هويته العربية الإسلامية والمسيحية، وصون الوضع التاريخى والقانونى القائم فى القدس.

وفى ذكرى احتلال المدينة القديمة، تتكرر المشاهد ذاتها ولكن بوجع أكبر وتصعيدٍ أخطر. مئات المستوطنين اقتحموا باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال الإسرائيلى، مؤدين طقوسًا تلمودية واستفزازية داخل ساحاته، فيما فرضت قيودًا قاسية على الفلسطينيين الذين منع كثير منهم من الوصول إلى المسجد منذ ساعات الفجر.

ولم يكن المشهد مجرد اقتحام عابر، بل حمل رسائل سياسية ودينية واضحة، بعدما ظهر عدد من المستوطنين وهم يرتدون قمصانًا رسمت عليها صورة «الهيكل المزعوم»، الذى تسعى جماعات متطرفة إلى الترويج لفكرة إقامته مكان المسجد الأقصى.

ويعكس هذا السلوك تصاعد الخطاب الدينى المتطرف داخل أوساط اليمين الإسرائيلى، ومحاولة تحويل الاقتحامات المتكررة من مجرد استعراض سياسى إلى رسائل رمزية تستهدف الهوية الإسلامية والتاريخية للمسجد الأقصى.

هذا المشهد يكشف أيضًا عن طبيعة المرحلة الحالية، حيث لم تعد الاقتحامات تقتصر على فرض السيطرة الأمنية، بل باتت تحمل أبعادًا عقائدية واضحة، تسعى من خلالها جماعات «الهيكل» إلى ترسيخ روايتها داخل ساحات الأقصى، مستفيدة من الدعم السياسى والحماية الأمنية التى توفرها حكومة الاحتلال.

ولم يكتفِ الاحتلال بتقييد حركة المصلين، بل حول القدس القديمة إلى منطقة عسكرية مغلقة. الحواجز انتشرت فى كل مكان، والهويات احتجزت، والتفتيش والإهانات والاعتداءات طالت المصلين عند أبواب الأقصى، فى مشهد يعكس حجم التوتر الذى تعيشه المدينة المقدسة، ومحاولات فرض واقع جديد بالقوة تحت غطاء أمنى وسياسى متصاعد.

رجال دون الستين ونساء دون الخمسين منعوا من الدخول، بينما أُجبر موظفو الأوقاف والمصلون على البقاء داخل المصليات المسقوفة، فى محاولة واضحة لتفريغ ساحات المسجد أمام اقتحامات المستوطنين.

وفى الخارج، كانت البلدة القديمة تختنق تحت وطأة الاستفزازات. أسواق القدس العتيقة، التى اعتادت ضجيج الحياة والتجار والزوار، شهدت اعتداءات متكررة من مجموعات المستوطنين الذين جابوا الشوارع وهم يرددون الشعارات العنصرية ويؤدون رقصات استفزازية تحت حماية قوات الاحتلال، بالتزامن مع ما يسمى بـ«مسيرة الأعلام»، التى تحولت فى كل عام إلى استعراض للقوة ومحاولة لفرض واقع جديد داخل المدينة المحتلة.

التصعيد بلغ ذروته مع اقتحام وزير الأمن القومى الإسرائيلى المتطرف إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، وسط حراسة أمنية مشددة.

ولم يكن الاقتحام حدثًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة تحمل أبعادًا أخطر من مجرد زيارة استفزازية. رفع علم الاحتلال داخل ساحات الأقصى وأداء الحركات الاستفزازية والرقصات فى باحاته يعكس إصرار الحكومة الإسرائيلية اليمينية على تكريس مشهد السيطرة الكاملة، مستفيدة من انشغال العالم بأزمات أخرى تتصدر المشهد الدولى.

وما يحدث فى القدس اليوم لا يمكن فصله عن السياق السياسى الأوسع. إسرائيل تدرك جيدًا أن العالم يعيش حالة تشتيت غير مسبوقة، يعيش حروبًا مشتعلة، أزمات اقتصادية، واستقطابات دولية حادة، وهو ما يمنح حكومة الاحتلال مساحة أكبر للمضى فى سياسات فرض الأمر الواقع داخل القدس والمسجد الأقصى، بعيدًا عن ضغطٍ دولى حقيقى أو ردع فعال.

وفى كل مرة ينشغل فيها العالم بملف جديد، تتسارع الخطوات على الأرض فى القدس، اقتحامات أوسع، قيود أشد، اعتداءات أكثر تنظيمًا، ومحاولات مستمرة لتغيير الهوية التاريخية والدينية للمدينة المقدسة.

وكأن الاحتلال يراهن على أن الضجيج العالمى كفيل بإخفاء ما يجرى داخل أزقة البلدة القديمة وبين جدران الأقصى.

ورغم تصاعد الانتهاكات والقيود المفروضة على المدينة المقدسة، يواصل الفلسطينيون فى القدس صمودهم اليومى، متمسكين بحقهم فى الأرض والهوية والمقدسات، فى مواجهة محاولات مستمرة لفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى والبلدة القديمة.

وبينما تتجه أنظار العالم إلى أزمات وصراعات أخرى، تتسارع خطوات الاحتلال على الأرض مستفيدًا من حالة الانشغال الدولى لتمرير سياسات أكثر تشددًا فى القدس.

ومع ذلك، تبقى المدينة المقدسة حاضرة فى الوجدان العربى والإسلامى، ويظل المسجد الأقصى رمزًا لقضية لم تنجح سنوات الاحتلال ولا إجراءات التضييق فى طمس هويتها أو تغييبها، لتؤكد القدس مرة أخرى أنها، مهما اشتدت الضغوط، ستبقى عنوانًا للصمود والتمسك بالحق التاريخى والدينى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق