في إطار استعدادات وزارة العدل لتطبيق منظومة التقاضي عن بُعد بداية من أكتوبر المقبل، انطلقت الدورة التدريبية الأولى المخصصة لقضاة محاكم الجنايات للتأهيل على استخدام المنظومة، بمقر الوزارة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة الدولة لتطوير منظومة العدالة وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في إدارة جلسات التقاضي، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتخفيف الأعباء الإجرائية عن المتقاضين، إلى جانب تقليل الحاجة للحضور الفعلي داخل المحاكم.
كما تهدف منظومة التقاضي عن بُعد إلى رفع كفاءة العمل القضائي وتحقيق مرونة أكبر في سير الدعاوى، بما يدعم توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتحديث البنية التكنولوجية لقطاع العدالة، ولا تقتصر المنظومة على نقل الصوت والصورة داخل الجلسات فقط، بل تمتد لتشمل رقمنة كاملة لدورة العمل أمام دوائر الجنايات، بما في ذلك تسجيل المرافعات والطلبات الشفوية بشكل إلكتروني وتحويلها إلى نصوص مكتوبة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة اختلاف اللهجات المصرية، بما يحد من الأخطاء ويرفع دقة محاضر الجلسات ويسرّع إنجازها بكفاءة أعلى.
كما تتيح المنظومة أيضًا إرسال القرارات والأحكام بشكل إلكتروني إلى النيابة العامة فور صدورها، لاتخاذ الإجراءات اللازمة نحو التنفيذ، بما يعزز الترابط والتكامل بين مراحل العمل القضائي ويضمن انسيابية الإجراءات داخل منظومة العدالة.
رقمنة العدالة ليست رفاهية بل استحقاق دستوري
وقال الدكتور حسين المقداد، رئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة العاصمة، إن رقمنة العدالة ليس كرفاهية تقنية، بل استحقاق دستوري يهدف لتفعيل المادة (97) من الدستور المصري التي تكفل تقريب جهات القضاء وتحقيق العدالة الناجزة.
وأوضح المقداد، في تصريحات لـ"الدستور"، أن إدخال هذه المنظومة في محاكم الجنايات يعدّ نقلة نوعية تضع مصر على خريطة النظم القضائية الحديثة، فهي خطوة تتماشى تمامًا مع التطور العالمي (مثل النظام الفرنسي والإنجليزي)، لكنها في مصر تكتسب خصوصية شديدة، فالمشرّع المصري ومن خلال القانون رقم (١٤٧) لسنة ٢٠٢٥م، لم يهدف لإلغاء مبدأ المواجهة في المحاكمة، بل هدف إلى تحديث وسيلتها، فالأصل في المحاكمات الجنائية هو حضور المتهم أمام قاضيه الطبيعي، والتقاضي عن بُعد هنا يُعد حضورًا اعتباريًا مدعومًا بتكنولوجيا تضمن رؤية وسماع المتهم بوضوح، وهو ما لا يصطدم مع جوهر المحاكمة المنصفة طالما توافرت الضمانات.
وأضاف أن الدولة تسعى من خلال هذه المنصة إلى تحقيق حزمة من الأهداف السيادية والقانونية أبرزها تحقيق العدالة الناجزة من خلال كسر حاجز البطء القضائي الناتج عن إجراءات نقل المتهمين وتأمينهم، حماية الأمن القومي والجنائي بتقليل المخاطر الأمنية المرتبطة بنقل المتهمين الخطرين من مقار احتجازهم إلى قاعات المحاكم.
واستكمل: كذلك توفير النفقات العامة بخفض الكلفة اللوجستية الضخمة لعمليات الترحيلات اليومية، و تعزيز الحوكمة الرقمية عن طريق ربط مصلحة السجون بالنيابة العامة والمحاكم عبر شبكة اتصالات موحدة تمنع التلاعب أو الأخطاء الإدارية.
التحديات الإجرائية والدستورية للتقاضي عن بعد
وعن التحديات الإجرائية والدستورية لمنظومة التقاضي عن بعض قال أستاذ القانون، إنه رغم بريق التكنولوجيا، تواجه هذه المنظومة في الجنايات تحديات جوهرية يجب الحذر منها، واهمها الإخلال بضمانات الدفاع فالتحدي الأكبر هو ضمان حرية المتهم في التواصل بسرية مع محاميه أثناء الجلسة عبر الدائرة التلفزيونية، و استجواب الشهود والمناقشة حيث تقوم المحاكمة الجنائية على عقيدة القاضي التي تتشكل من خلال المواجهة المباشرة ولغة الجسد؛ فغياب الاتصال الفيزيائي قد يؤثر أحيانًا على تقدير القاضي لصدق الرواية، كما أن هناك ضعف البنية التحتية فقد يوصم أي انقطاع في البث أو سوء في جودة الصوت، الجلسة بالبطلان لإخلالها بحق الدفاع.
وأشار المقداد إلى أن منظمة التقاضي عن بعد سيكون لها الأثر على الحبس الاحتياطي وسرعة الفصل في القضايا:حيث تكمن الفائدة الكبرى؛ فالتقاضي عن بُعد (خاصة في جلسات تجديد الحبس) يؤدي إلى انتظام الدوائر؛ حيث يودي إلى عدم تأجيل القضايا لتعذر حضور المتهم من محبسه لأسباب أمنية أو لوجستية، وتقليص أمد التقاضي؛ حيث يسهم في سرعة الفصل في الإجراءات التمهيدية مما ينعكس إيجابًا على مدة الحبس الاحتياطي، بجانب تفعيل الرقابة القضائية للقاضي الجنائي؛ حيث يسهل على القاضي نظر أمر الحبس في مواعيده القانونية الدقيقة دون إبطاء.
الطعن في أحكام التقاضي عن بعد
وبسؤاله: هل يمكن الطعن على هذه الأحكام في التقاضي عن بعد لعيب إجرائي؟ أجاب قائلًا إنه يمكن الطعم ولكن بشرط عدم الإخلال بالضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة (مثل عدم تمكين المحامي من الحضور مع المتهم، أو تعطل وسيلة الاتصال بما يحجب صوت المتهم)، سيجعل الحكم عرضة للنقض، ولذلك فقد استقرت التشريعات الحديثة على أن التقاضي عن بُعد يجب أن يكون اختيارًا أو منظمًا بقواعد صارمة تضمن حضور المحامي وشفافية البث، وتسجيل الجلسة لضمان حق محكمة النقض في الرقابة على صحة الإجراءات.
وختم “المقداد” بأن منصة العدالة الرقمية هي ضرورة عصرية، والرهان الآن ليس على التكنولوجيا في حد ذاتها، بل على أنسنة التقاضي الرقمي؛ أي تطويع الشاشات لتخدم حقوق المتهم لا أن تكون عائقًا بينه وبين قاضيه الطبيعي، وثقتنا عالية وغير محدودة في قدرة الدولة المصرية ممثلة في وزارة العدل على تهيئة كافة السبل المادية والرقمية التي تسهم في نجاح منظومة التقاضي الإلكتروني في مصر في مختلف قطاعات التقاضي وعلى وجه الخصوص في التقاضي من بعد.
اقرأ أيضا:
وزير الاتصالات يكشف لـ"الدستور" مزايا تطبيق منظومة التقاضي عن بعد في مصر
النائب حسانين توفيق: إطلاق منظومة التقاضي عن بعد يضع مصر في مصاف الدول المتقدمة تكنولوجيًا

















0 تعليق