تتجه أنظار العالم صوب العاصمة الصينية لمراقبة لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في زيارة هي الأولى منذ عقد كامل وتأتي في توقيت بالغ الحساسية بسبب الصراع مع إيران.
حسب تقرير لموقع بلومبرج الاقتصادي فإن التحليلات الأخيرة تكشف عن زيادة إنتاج الصواريخ الصينية العام الماضي بأكبر قدر منذ تولي شي جين بينج منصبه في عام ألفين وثلاثة عشر مما يعكس تسارع وتيرة التسلح النوعي للجيش الصيني.
وأوضح التحليل أن عدد الشركات الصينية التي أفصحت بشكل علني عن إنتاج مكونات رئيسية للصواريخ قد ارتفع ليصل إلى واحد وثمانين شركة خلال العام الماضي وهو ما يمثل أكثر من ضعف العدد المسجل سابقا.
وتشهد هذه المجموعة الصناعية الدفاعية أعلى نسبة من الشركات التي سجلت إيرادات قياسية خلال فترة حكم الرئيس الحالي وهو ما يعزى مباشرة إلى الزيادة الهائلة في الطلبات الجديدة الموجهة لتوسيع برنامج الصواريخ الصيني العملاق.
وتتناقض هذه الأرقام المرتفعة في قطاع الدفاع مع الانخفاض الإجمالي في الإيرادات الذي شهدته أكبر ثلاثمائة شركة مدرجة في البورصة الصينية خلال الفترة نفسها مما يؤكد أولوية الإنفاق العسكري لدى القيادة السياسية في بكين.
وتوفر الإفصاحات المالية التي قدمتها هذه الشركات لمحة نادرة عن قطاع الدفاع الصيني الذي يتسم بالتكتم الشديد حيث تسعى بكين لتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية رغم التغييرات الواسعة التي أجراها الرئيس في صفوف كبار جنرالاته.
وشملت قرارات الإقالة الأخيرة معظم قيادات قوة الصواريخ في جيش التحرير الشعبي وهي الجهة المسؤولة عن الإشراف على الأسلحة الاستراتيجية ومع ذلك استمرت معدلات الإنتاج في الارتفاع لتصل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة دوليا.
ويشير هذا التوسع الصاروخي الكبير إلى أن الصين باتت تمتلك مخزونا هائلا من الأسلحة المتطورة في وقت استنزفت فيه الحرب المستمرة على إيران المخزونات الأمريكية من الذخائر والصواريخ الموجهة مما أثار مخاوف الحلفاء في المنطقة.
تحولات موازين القوى الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
لا تفصح الحكومة الصينية بشكل رسمي عن الحجم الحقيقي لترسانتها الصاروخية كما تظل المعلومات المتعلقة بسلسلة الإمداد العسكرية شحيحة للغاية مما يدفع الجهات الدولية للاعتماد على تقديرات استخباراتية وتحليلات لبيانات الشركات المدنية المتعاقدة مع الجيش.
ويقدر البنتاجون الأمريكي أن الصين تمتلك ما لا يقل عن ثلاثة آلاف ومائة وخمسين صاروخا باليستيا بالإضافة إلى ثلاثمائة صاروخ كروز تطلق من الأرض وهو ما يمثل زيادة ضخمة مقارنة بالإحصائيات التي سجلت في العقد الماضي.
وتشير التقارير إلى أن زيادة عدد الصواريخ الباليستية بلغت مائة وسبعة وأربعين بالمائة بينما ارتفعت صواريخ الكروز بنسبة خمسين بالمائة منذ عام ألفين وخمسة عشر وهو العام الذي بدأت فيه واشنطن الكشف عن تقديراتها المنهجية.
ويعد تعزيز هذه القدرات الصاروخية أمرا حيويا لأي محاولة مستقبلية تهدف للسيطرة على تايوان بالقوة كما يوسع من قدرة بكين على شن ضربات دقيقة في عمق منطقة المحيطين الهندي والهادئ بما في ذلك القواعد العسكرية.
وتبرز جزيرة جوام التي تبعد نحو ثلاثة آلاف ميل كهدف محتمل نظرا لوجود قاعدة عسكرية أمريكية حيوية هناك حيث باتت الصواريخ الصينية الجديدة قادرة على الوصول إلى هذه المسافات البعيدة بدقة عالية جدا وفعالية تدميرية.
ويأتي هذا التوسع الصيني المتسارع في وقت تزيد فيه دول عديدة مثل فرنسا وكوريا الجنوبية من إنفاقها الدفاعي وتسرع في تصنيع المزيد من الصواريخ لمواجهة التهديدات العالمية المتزايدة وتداعيات الأزمات الدولية المختلفة ومنها صراع إيران.
ويمنح نجاح شركات الدفاع الصينية الرئيس شي جين بينج ميزة قوية في مهمته الرامية لمواجهة الهيمنة العسكرية الأمريكية على الساحة الدولية خاصة وأنه يعتبر أقوى زعيم صيني يمر على البلاد منذ عهد ماو تسي تونج.
التكامل بين القطاعين المدني والعسكري وبناء الجيش الحديث
دعا الرئيس الصيني منذ توليه السلطة إلى تعزيز التعاون بين الشركات المدنية والقوات المسلحة فيما يعرف باستراتيجية الاندماج المدني العسكري بهدف الوصول إلى جيش حديث ومتطور بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الجيش في عام ألفين وسبعة وعشرين.
ويعتمد النظام البيئي لصناعة الصواريخ في الصين على شبكة واسعة من الشركات الحكومية والمدنية التي تعمل في تناغم لتوفير كافة المستلزمات التقنية والمادية بدءا من المعادن المطبوعة بتقنية الأبعاد الثلاثية وصولا إلى الحواسيب المدمجة المعقدة.
وتوفر هذه الشركات التابعة لسلسلة إمداد الجيش منتجات تكنولوجية متطورة كانت لفترة طويلة محاطة بالسرية التامة مما مكن الصين من القفز بخطوات واسعة في مجال التصنيع العسكري المعتمد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة في التوجيه.
وتغطي الصواريخ الصينية في الوقت الحالي مساحات شاسعة من الكرة الأرضية حيث تستطيع الصواريخ الباليستية ضرب أهداف تتجاوز سلسلة الجزر الثانية التي تمتد من اليابان إلى شرق إندونيسيا مما يغير قواعد الاشتباك التقليدية تماما.
ويمكن استخدام صواريخ كروز الصينية لشن هجمات دقيقة وخفية قصيرة المدى على أهداف استراتيجية في تايوان أو استهداف السفن الحربية في عرض البحر مما يقلل من قدرة الخصوم على المناورة والردع في المناطق القريبة.
وتهيمن سلسلة صواريخ دونجفنج الشهيرة على الترسانة الصينية والتي يعني اسمها الريح الشرقية استلهاما من خطاب تاريخي ألقاه ماو تسي تونج خلال فترة الحرب الباردة للتأكيد على قوة الشرق في مواجهة القوى الغربية المهيمنة آنذاك.
وبينما تتفوق الولايات المتحدة في عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والرؤوس الحربية النووية إلا أن الصين تجري حاليا أسرع توسع في ترسانتها النووية على مستوى العالم لتقليص هذه الفجوة الاستراتيجية مع واشنطن بشكل متسارع.
القدرات التكنولوجية لجيل الصواريخ الجديد والتهديدات العابرة للقارات
تمتلك الصين حاليا صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية وضرب أهداف في العمق مما يجعل التهديد الصيني مباشرا ولا يقتصر فقط على القواعد العسكرية في منطقة المحيط الهادئ أو حلفاء واشنطن الإقليميين.
وتشمل الأسلحة الصينية قصيرة المدى صاروخ دي إف واحد وعشرين دي وهو صاروخ باليستي مخصص لاستهداف السفن الكبيرة وحاملات الطائرات بالإضافة إلى صاروخ دي إف ستة وعشرين الذي يلقب بقطار جوام السريع لقدرته الفائقة.
وخلال العروض العسكرية الأخيرة استعرضت بكين صواريخ واي جي واحد وعشرين وواي جي سبعة عشر وهي صواريخ باليستية مضادة للسفن وتتميز بكونها فرط صوتية مما يجعل اعتراضها بواسطة المنظومات الدفاعية الحالية أمرا في غاية الصعوبة.
كما ظهر الصاروخ الجديد دي إف واحد وستين والذي يرجح الخبراء العسكريون أنه صاروخ باليستي عابر للقارات يمتلك تقنيات تخفي ومراوغة متطورة تسمح له بتجاوز الدروع الصاروخية التقليدية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في حماية أراضيها.
وتتزامن هذه التطورات مع انخراط واشنطن في صراعات استنزفت مواردها العسكرية والمالية خاصة في مواجهة إيران مما يجعل التحدي الصيني أكثر تعقيدا أمام الإدارة الأمريكية التي تحاول جاهدة موازنة أولوياتها في الشرق الأوسط وشرق آسيا.
وتعكس هذه الطفرة في الإنتاج الصاروخي الصيني رغبة بكين في فرض واقع جيوسياسي جديد ينهي حقبة القطب الواحد ويؤسس لنظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه القوة العسكرية الصينية هي الركيزة الأساسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويرى المحللون أن التوسع الصاروخي ليس مجرد استعراض للقوة بل هو خطة مدروسة لضمان التفوق في أي نزاع محتمل حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي مع ضمان تحييد التدخلات الخارجية عبر تهديد المصالح الحيوية للدول الكبرى.
مستقبل الصراع العالمي بين القوى الكبرى والرهانات الصينية
يمثل العام الحالي نقطة تحول في السياسة الخارجية الصينية حيث يجمع الرئيس شي بين القوة العسكرية والدبلوماسية رفيعة المستوى في تعامله مع ترامب مستندا إلى قاعدة صناعية عسكرية صلبة استطاعت تجاوز الأزمات الاقتصادية التي ضربت قطاعات أخرى.
وتشير كافة البيانات المسجلة إلى أن الصين لن تتوقف عند هذا الحد بل ستواصل الاستثمار في تقنيات الصواريخ الموجهة والأسلحة النووية لضمان حماية مسارها نحو الصدارة العالمية بحلول منتصف القرن الحالي وفقا للخطط الاستراتيجية المعلنة.
ويراقب الحلفاء الإقليميون لواشنطن هذه التطورات بقلق متزايد حيث يخشون من تراجع المظلة الأمنية الأمريكية نتيجة انشغال الإدارة بملفات أخرى مثل إيران وتناقص المخزونات الاستراتيجية من الأسلحة التي كانت تمثل رادعا قويا أمام الطموحات الصينية المتزايدة.
ويبقى التساؤل حول مدى قدرة واشنطن على استعادة توازنها العسكري وتجديد ترسانتها في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية خاصة مع استمرار التوترات الدولية التي تجعل من الصعب التركيز على جبهة واحدة دون التأثير على الجبهات الأخرى.
إن المشهد العسكري العالمي يتشكل الآن من جديد انطلاقا من المصانع الصينية التي تعمل على مدار الساعة لإنتاج أجيال جديدة من الصواريخ القادرة على تغيير مصير دول ومناطق بأكملها في حال اندلاع أي مواجهة عسكرية مباشرة.
وتظل الدبلوماسية هي الخيار المفضل حاليا لتجنب الصدام المباشر لكنها دبلوماسية مدعومة بترسانات صاروخية مرعبة تجعل طاولة المفاوضات مكانا لتوزيع موازين القوى الجديدة بدلا من السعي لتحقيق سلام دائم وشامل يرضي جميع الأطراف المتنازعة دوليا.
ويختتم التحليل بالتأكيد على أن بكين نجحت في تحويل قطاعها الدفاعي إلى محرك للنمو التكنولوجي والسياسي مما يجعل من المستحيل تجاهل قوتها المتصاعدة في أي ترتيبات أمنية عالمية قادمة بغض النظر عن نتائج زيارة ترامب الحالية.














0 تعليق