وصف الباحث المصرى الدكتور ماهر القاضى بطارية «النيكل- حديد»، التى أسهم مع فريقه العلمى فى تطويرها مؤخرًا، بأنها الحل الاستراتيجى لتعزيز الاستقلالية والأمان فى منظومة الطاقة العالمية مستقبلًا، موضحًا أن البطارية تعتمد على تكنولوجيا النانو ومصل مستخرج من «دم الأبقار»، لتصغير الحجم ورفع كفاءة الشحن والتفريغ، الأمر الذى يجعلها قادرة على الشحن بسرعة هائلة، وتخزين الطاقة خلال دقائق معدودة.
وأوضح الأستاذ فى جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال حديثه لـ«الدستور»، أن الفريق العلمى الذى قاده استطاع- عبر اختراعه- التغلب على بطارية الليثيوم التقليدية، من حيث الحجم وسرعة الشحن والعمر الافتراضى ومستوى الأمان، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا الجديدة يمكن استخدامها فى مجالات تخزين الطاقة المتجددة ومراكز البيانات، كما أن تطويرها فى المستقبل سيسمح بتحقيق حلم المخترع الأشهر توماس إديسون فى الاعتماد على السيارات الكهربائية بدلًا من السيارات التقليدية.

■ بداية.. ما هى بطاريات السيارات الكهربائية؟ وفيما تختلف عن البطاريات العادية؟
- تعود قصة السيارات الكهربائية إلى بدايات القرن العشرين، حين كان نحو ٤٠٪ من السيارات يعمل بالمحركات البخارية، مقابل ٣٨٪ للسيارات الكهربائية، بينما لم تتجاوز نسبة سيارات البنزين ٢٢٪ فقط.
ووقتها بدت السيارات الكهربائية أكثر تطورًا وراحة، إذ لم تكن تصدر ضوضاء أو عوادم، كما أنها كانت تعمل بضغطة زر فقط، ولذا جرى تسويقها فى الولايات المتحدة باعتبارها «سيارة الأطباء والهوانم».
ورغم ذلك، فقد واجهت السيارات الكهربائية أزمة كبرى بسبب البطاريات، إذ اعتمدت على بطاريات الرصاص الحمضية، التى لم تكن توفر سوى مدى لا يتجاوز نحو ٥٠ كيلومترًا، ما شكل عائقًا أمام الرحلات الطويلة.
وفى محاولة لحل هذه الأزمة، طور المخترع توماس إديسون بطارية النيكل والحديد، وطرحت تجاريًا عام ١٩٠٣، واستخدمت فى تطبيقات مثل أنظمة الإضاءة الاحتياطية والمصاعد والسكك الحديدية.
وبعدها بدأ تعاون بين «إديسون» ورائد صناعة السيارات هنرى فورد، لتطوير سيارة كهربائية تعتمد على البطارية، إلا أن بطاريات إديسون واجهت عدة تحديات، أبرزها طول فترة الشحن، التى تجاوزت ٧ ساعات، فضلًا عن مشكلات الأداء فى درجات الحرارة المنخفضة وفقدان الشحنة بمرور الوقت.
فى الوقت ذاته، كانت سيارات البنزين تتطور بوتيرة أسرع، وبسعر منخفض، كما أدى اكتشاف حقول نفط ضخمة فى ولاية تكساس الأمريكية إلى جعل سيارات البنزين أكثر راحة وأقل تكلفة، ما أدى تدريجيًا إلى تراجع حلم السيارات الكهربائية، مع بداية عشرينيات القرن الماضى.
ورغم ذلك، عاد هذا الحلم مجددًا مع التطورات الحديثة فى تقنيات البطاريات، خاصة بعد أن جرى تطوير بطارية قادرة على الشحن خلال دقائق، وربما ثوانٍ معدودة، مع إمكانية استخدامها لما يصل إلى ١٢ ألف دورة شحن وتفريغ، مقارنة بمتوسط يتراوح بين ٨٠٠ و٣٠٠٠ دورة فقط فى بطاريات السيارات الكهربائية الحالية.
■ ما تفاصيل الإنجاز الجديد الذى وصف بأنه «ثورة نانوية» فى عالم البطاريات؟
- اعتمدت الفكرة على تصنيع مكونات البطارية فى مستوى «النانو»، بما يسمح بتسريع حركة الأيونات داخلها أثناء عمليتى الشحن والتفريغ، ولتحقيق ذلك استخدمنا بروتينًا حيويًا، مستخلصًا من مصل «دم الأبقار»، باعتباره قالبًا لتكوين جسيمات النيكل والحديد على المستوى النانوى، مع المساعدة فى تكوين نوى صغيرة للغاية، موزعة بصورة منتظمة، ما يُعد عاملًا حاسمًا فى رفع كفاءة البطارية وتحقيق الشحن السريع.
كما أن تصغير الجسيمات إلى مستوى النانو يُقلل من زمن انتقال الأيونات داخل البطارية بشكل كبير، الأمر الذى يفسر القدرة على تقليص زمن الشحن من ساعات طويلة إلى دقائق أو حتى ثوانٍ معدودة.
■ هل يمكن القول إن ما تحقق هو تطوير لفكرة قديمة أم إعادة اختراع كاملة من منظور علم المواد؟
- ليس عودة إلى الماضى بقدر ما هى إعادة لقراءة ذكية لفكرة كانت صحيحة من الناحية العملية، لكن فى وقتها لم يكن لدى «إديسون» الأدوات البحثية والمعملية التى تمكنه من تحقيق الاكتشاف المتعلق بتلك البطارية، وحل المشاكل المرتبطة بها قبل نحو ١٢٥ عامًا. ومع استخدام أدوات جديدة، وهى تكنولوجيا النانو؛ استطعنا تصغير أجزاء البطارية، وإعادة التصميم بما يمكن من شحنها بشكل سريع.
لذا فإن ما حدث هو إعادة اختراع بالكامل بالفعل، إذ تم تصميم الأقطاب بشكل جديد، وإعادة تصميم جميع أجزاء البطارية لتكون فى مقياس «النانو»، وهى أصغر ألف مرة مقارنة بالحجم الذى كان موجودًا فى وقت توماس إديسون، ما جعل هناك إمكانية للتحكم فى معدل التفاعل وعملية الشحن والتفريغ لإطالة عمر البطارية.
■ ما أهم الفروق التقنية بين البطارية الجديدة والبطاريات العادية؟
- هناك فروق جوهرية بين بطارية الحديد والنيكل وبطاريات «الليثيوم- أيون» التقليدية، سواء من حيث سرعة الشحن أو العمر الافتراضى أو مستوى الأمان.
وعلى مستوى الشحن، تحتاج بطاريات الليثيوم التقليدية عادة إلى عدة ساعات للوصول إلى الشحن الكامل، وحتى فى النسخ السريعة منها قد يستغرق الأمر نحو نصف الساعة أو أكثر نسبيًا، أما فى البطارية الجديدة فنحن نتحدث عن زمن شحن أقل بكثير، قد يقاس بالدقائق، وفى بعض التطبيقات يمكن أن يصل إلى ثوانٍ معدودة، ما يمثل نقلة كبيرة فى تقنيات تخزين الطاقة.
أما فيما يتعلق بالعمر الافتراضى، فإن بطاريات الليثيوم التقليدية تعمل غالبًا فى حدود ٨٠٠ دورة شحن وتفريغ قبل أن تبدأ كفاءتها فى التراجع بشكل ملحوظ، بينما تستطيع البطارية الجديدة الوصول إلى نحو ٣٠٠٠ دورة، ما يمنحها قدرة تشغيلية أطول واستدامة أكبر على المدى البعيد.
وفى جانب السلامة، تعرف بطاريات «الليثيوم أيون» بقابليتها للاشتعال أو ارتفاع مخاطر الاحتراق فى بعض الظروف، خاصة مع ارتفاع الحرارة أو حدوث تلف داخلى، فى المقابل، تعتمد البطارية الجديدة على محاليل مائية، ما يجعلها غير قابلة للاشتعال بدرجة كبيرة، وبالتالى توفر مستوى أمان أعلى بكثير مقارنة بالتقنيات التقليدية الحالية.
■ فى أى تطبيقات يمكن استخدام هذه البطارية الجديدة؟
- تتميز البطارية الجديدة بسرعة شحن مذهلة تصل إلى دقائق أو ثوانٍ، مع كثافة تخزين طاقة تصل إلى ٥٠ وات/ساعة لكل كيلوجرام، ورغم ذلك، لا توفر مدى طويلًا كالليثيوم أيون، الذى يصل تخزينه إلى ١٥٠–٣٠٠ وات/ساعة لكل كيلوجرام.
لذلك، فإن الاستخدام الأمثل للبطاريات الجديدة حاليًا هو فى أنظمة تخزين الطاقة المتجددة، إذ يمكنها تخزين الفائض وإعادة ضخه للشبكة عند الحاجة، ما يضمن استقرار الكهرباء بشكل فعال.
ويمكن استخدام هذه البطاريات أيضًا فى قطاع مراكز البيانات، الذى يشغل ويخزن تطبيقات الذكاء الاصطناعى والبيانات السحابية، إذ يعتمد على بطاريات احتياطية لضمان استمرار التشغيل عند انقطاع الكهرباء.

■ هل هذه التقنية قادرة على التأثير فى سوق الطاقة العالمية؟
- تتميز البطارية الجديدة بانخفاض تكلفتها وبساطة مكوناتها وأمانها العالى وسرعة شحنها، ما يجعلها منافسًا قويًا فى تخزين الطاقة، كما أن عمرها التشغيلى الطويل، الذى يصل بين ٢٠ و٥٠ عامًا، يجعلها مثالية للاستخدام واسع النطاق، على عكس بطاريات الليثيوم، التى تعتمد على موارد محدودة جغرافيًا، ما يخلق تحديات اقتصادية وجيوسياسية.
لذلك، توفر البطاريات الجديدة خيارًا بديلًا، يمكن الدول من تخزين الطاقة دون الاعتماد على سلاسل توريد معقدة، ويُنظر إليها كحل استراتيجى لتعزيز الاستقلالية والأمان فى منظومة الطاقة العالمية مستقبلًا.
■ ماذا عن تأثيرها على المستهلك؟
- البطارية المكتشفة يمكن أن تخفض تكلفة الطاقة على المستهلك بالفعل؛ إذ إن التكلفة بشكل عام تعتمد على العمر الافتراضى.
■ هل أصبحت هذه البطاريات جاهزة للإنتاج التجارى؟
- ما تم حاليًا هو مرحلة الاكتشاف، وتدخل البطارية بعد ذلك فى مرحلة بحث وتطوير حال وجد أن فيها ميزة بالنسبة للسوق لاستخدامها فى حالة الصناعة، وهذا يستغرق فى الولايات المتحدة بين ١٠ و٢٠ سنة، وبعد ذلك يتم الإنتاج التجارى للبطارية.
■ ما الأثر البيئى لاستخدام مواد مثل الحديد والنيكل بدلًا من الليثيوم والكوبالت فى تصنيع البطاريات؟
- الحديد والنيكل لهما بصمة بيئية أقل واستدامة أعلى على المدى الطويل، مقارنة بالليثيوم والكوبالت، كما أنهما متوافران فى قشرة الكرة الأرضية وعملية تعدينهما واستخلاصهما بشكل عام موجودة، وهناك استقرار فى سلاسل الإمداد الخاصة بهما، ما يجعل هناك قدرة على التحكم فيها وفى الآثار البيئية المحتملة، وهذا شىء مهم جدًا.
أخيرًا.. كيف ترى مستقبل البطاريات خلال السنوات العشر المقبلة فى ظل هذا النوع من الابتكارات؟
- البطاريات بشكل عام تختلف على حسب الاستخدام، ولا يوجد ما يسمى بـ«بطارية الأحلام» التى تصلح لجميع الاستخدامات.
والعالم يحتاج إلى تنوع فى البطاريات، من حيث الحجم والسعر والاستخدام والأمان، لذلك هذا النوع من الابتكارات سيظل مطلوبًا طوال الوقت.


















0 تعليق