شهدت العاصمة الكينية نيروبي نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً حيث عقد الرئيس السيسي سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى على هامش القمة الأفريقية الفرنسية لبحث تعزيز التعاون الدولي ومعالجة الأزمات الإقليمية الراهنة في ظل ظروف دولية بالغة التعقيد تتطلب تنسيقاً مستمراً بين مصر والمنظمات الأممية والقوى الفاعلة عالمياً لدعم ركائز الأمن والاستقرار وتحقيق التطلعات التنموية للشعوب الأفريقية التي تتطلع لمستقبل أفضل وتجاوز كافة التحديات الاقتصادية والسياسية الصعبة والمستمرة
حسب موقع رئاسة الجمهورية فقد التقى الرئيس السيسي مع أنطونيو جوتيريش سكرتير عام الأمم المتحدة حيث أعرب سيادته عن تقدير مصر الكبير للجهود الدؤوبة التي بذلها السكرتير العام خلال السنوات الماضية لمواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة مع تثمين التعاون القائم بين الدولة المصرية والمنظمة الدولية في إدارة النزاعات الإقليمية التي تتطلب رؤية شاملة وحلولاً سياسية مستدامة تحفظ سيادة الدول وتقوي مؤسساتها الوطنية في مواجهة المخاطر
وشدد الرئيس السيسي خلال مباحثاته مع سكرتير عام الأمم المتحدة على موقف مصر الراسخ بدعم أمن واستقرار دول الخليج العربي ورفض أي محاولات للاعتداء على سيادتها مع التأكيد على الدور المحوري والحيوي الذي تلعبه وكالات الأمم المتحدة في توفير وإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة للمدنيين المتضررين سواء في السودان أو قطاع غزة لضمان تخفيف المعاناة الإنسانية وحماية حقوق الإنسان في تلك المناطق التي تعاني من توترات أمنية واسعة
تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر ومدغشقر لدعم التنمية المستدامة
وفي إطار تعزيز التعاون الأفريقي المشترك اجتمع الرئيس السيسي مع رئيس جمهورية مدغشقر في لقاء اتسم برغبة متبادلة في دفع العلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب حيث أكد سيادته استعداد مصر الكامل لتقديم كافة أوجه الدعم والخبرات الفنية للدولة الشقيقة في مساعيها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتنفيذ المشروعات القومية التي تخدم الشعب المالجاشي وتعزز من قدراته الاقتصادية في مواجهة التقلبات الدولية الراهنة والمستمرة
ومن جانبه أعرب رئيس مدغشقر عن تقديره العميق للمسار المتميز الذي تسلكه العلاقات مع مصر مثمناً التعاون المثمر والممتد الذي يجمع البلدين في مختلف القطاعات الحيوية مع التأكيد على حرص بلاده الشديد على تكثيف التنسيق والتشاور مع القاهرة في المجالات التي تحقق المصالح المشتركة وتساهم في النهوض بالواقع التنموي للقارة الأفريقية التي تمتلك إمكانيات هائلة تتطلب تضافر الجهود لاستغلالها بالشكل الأمثل والفعال
واتفق الرئيس السيسي مع نظيره المالجاشي في ختام مباحثاتهما على ضرورة رفع مستوى التشاور السياسي بين البلدين تجاه التحديات الجسيمة التي تواجه القارة السمراء سواء في الجوانب الأمنية أو الاقتصادية مع التركيز على أهمية صياغة رؤى موحدة داخل المحافل الدولية للدفاع عن الحقوق الأفريقية في التنمية والاستقرار وضمان مشاركة القارة في صنع القرار العالمي الذي يؤثر بشكل مباشر على مستقبل أجيالها القادمة
شراكة استراتيجية مع كبرى شركات الشحن البحري العالمية
وعلى صعيد التعاون الاقتصادي التقى الرئيس السيسي برئيس مجلس إدارة شركة "سي إم آيه - سي جي إم" الفرنسية الرائدة عالمياً في مجال النقل والخدمات اللوجستية حيث رحب سيادته بالتعاون الاستثماري القائم مع الشركة الفرنسية مشيداً بجهودها الملموسة في تنفيذ مشروعات كبرى بقطاع الموانئ البحرية والجافة في مصر والتي تمثل ركيزة أساسية لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي وعالمي للتجارة واللوجستيات في المنطقة
وأشاد سيادته بالدور البارز الذي تلعبه الشركة الفرنسية في إنشاء وتشغيل أول محطة حاويات شبه آلية في الموانئ المصرية وهو ما يعكس الثقة الدولية في مناخ الاستثمار المصري والقدرات الفنية للدولة حيث أكد تطلع مصر لزيادة حجم أعمال الشركة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستفادة القصوى من الحوافز والضمانات التي وفرتها الدولة للمستثمرين الأجانب لتسهيل حركة التجارة العالمية والربط بين القارات المختلفة
واستعرض الرئيس السيسي خلال اللقاء رؤية مصر الشاملة حول تداعيات التوترات الإقليمية الراهنة التي تؤثر بشكل مباشر على أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس داعياً كافة أطراف منظومة الشحن البحري الدولية للتكاتف والتنسيق لمواجهة هذه التحديات وضمان استمرارية سلاسل الإمداد العالمية وحماية الاقتصاد العالمي من أي اضطرابات قد تزيد من حدة الأزمات القائمة وتؤثر على معدلات النمو والتنمية الدولية
خلفية القمة الأفريقية الفرنسية والتحركات الدولية لمواجهة الأزمات
تأتي هذه القمة في توقيت دقيق تزايدت فيه الدعوات لإعادة صياغة العلاقة بين أفريقيا وفرنسا على أسس من الندية والشراكة العادلة حيث ركزت كلمات القادة المشاركين ومن بينهم الرئيس الفرنسي ورئيس كينيا على ضرورة إصلاح الهيكل المالي العالمي وتخفيف عبء الديون عن الدول النامية لمساعدتها في مواجهة التغيرات المناخية والأزمات الاقتصادية التي تسببت فيها النزاعات الدولية الكبرى وتأثيرها على الأمن الغذائي والطاقة
وأشار سكرتير عام الأمم المتحدة في كلمته الافتتاحية إلى أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتطلب تعزيز العمل متعدد الأطراف مؤكداً أن أفريقيا يجب أن تكون في قلب النظام العالمي الجديد وليس مجرد متلقٍ للسياسات بينما دعا الرئيس الكيني إلى ضرورة توطين الصناعات وتفعيل منطقة التجارة الحرة الأفريقية الكبرى لتقليل الاعتماد على الاستيراد وبناء اقتصاديات قوية قادرة على الصمود أمام الهزات العالمية التي باتت متكررة
وأكد الجانب الفرنسي خلال القمة التزامه بدعم المشروعات الخضراء في القارة الأفريقية وتوفير التمويل اللازم للانتقال الطاقي مشدداً على أن استقرار أفريقيا هو جزء لا يتجزأ من استقرار القارة الأوروبية والعالم أجمع في حين ركزت المداخلات على أهمية مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء وتعزيز آليات التمويل المبتكرة لتمكين الشباب الأفريقي من المشاركة الفعالة في صياغة مستقبل القارة وتحقيق الرفاهية للشعوب
رؤية مصرية شاملة لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي
تستند رؤية مصر التي طرحها القادة في المحافل الدولية إلى ضرورة الربط بين الأمن والتنمية حيث لا يمكن تحقيق استقرار سياسي دون قاعدة اقتصادية صلبة توفر فرص العمل وتحسن مستوى المعيشة مع التأكيد على أن التدخلات الخارجية في الشئون الداخلية للدول العربية والأفريقية تساهم في إطالة أمد النزاعات وتعرقل جهود البناء والإعمار التي تنشدها الحكومات الوطنية الساعية للاستقرار والنمو
وتعمل الدولة المصرية تحت قيادة حكيمة على تعزيز دورها كحلقة وصل بين القارة الأفريقية والقوى الدولية مستغلة موقعها الاستراتيجي وقدراتها الدبلوماسية في تقريب وجهات النظر وحلحلة الأزمات المعقدة في السودان وليبيا والقضية الفلسطينية مع التمسك بالحلول السلمية والمفاوضات الجادة كسبيل وحيد لإنهاء الحروب وضمان عدم اتساع رقعة الصراع في المنطقة بما يحفظ مقدرات الشعوب ويحمي الأمن والسلم الدوليين
إن اللقاءات المكثفة التي جرت في نيروبي تعكس بوضوح ثقل الدور المصري في الدائرة الأفريقية والدولية وحرص القيادة على استثمار كافة الفرص المتاحة لتعزيز الشراكات الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية التي تساهم في دعم الاقتصاد القومي وتوفر حياة كريمة للمواطنين مع استمرار الدفاع عن القضايا العربية والأفريقية العادلة في كافة المحافل والمنابر الأممية لضمان مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجميع.
















0 تعليق