تهمّيش نتنياهو.. ترامب يستبعد إسرائيل من مفاوضات السلام السرية برعاية باكستانية

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بينما كان العالم يترقب بحذر شديد تحركات القوى الكبرى في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن في خطاب مصور ومفاجئ عن عمق الروابط التي تجمعه مع سيد البيت الأبيض، مؤكداً أن قنوات الاتصال لم تنقطع يوماً وأن التنسيق الميداني والسياسي وصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأزمة الراهنة التي تعصف باستقرار المنطقة برمتها.

​وحسب تقرير مفصل لقناة "القاهرة الإخبارية" فإن هذا الإصرار العلني من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي يأتي في توقيت حساس للغاية، حيث بدأت الشكوك تحوم حول مصداقية التصريحات الرسمية بعد أسابيع طويلة من الصمت المطبق، مما دفع العديد من المراقبين الدوليين إلى التساؤل عن حقيقة ما يدور خلف الكواليس المغلقة في واشنطن وتل أبيب وسط تقارير عن خلافات عميقة.

​وقد أشار تحليل مطول نشرته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية إلى أن هذا الظهور المصور لم يكن مجرد رسالة طمأنة للداخل الإسرائيلي بل كان محاولة يائسة لترميم صورة مهتزة، إذ يرى الخبراء أن الواقع الميداني والسياسي قد يكون أسوأ بكثير مما يحاول الإعلام الرسمي تصويره، خاصة مع تزايد التقارير التي تتحدث عن استبعاد إسرائيل من دوائر صنع القرار الكبرى.

​ولطالما مثل الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي صورة معكوسة لبعضهما البعض في عالم السياسة الدولية، حيث نجح كلاهما في ابتكار أساليب شعبوية فريدة للهيمنة على المشهد الداخلي في بلادهما، متجاوزين كافة الأسس التقليدية والأعراف الدبلوماسية التي كانت تحكم العلاقات الدولية قبل وصولهما إلى سدة الحكم، مما خلق نوعاً من التماهي في المصير السياسي بين الرجلين.

​وفي هذا السياق أكدت المستشارة السياسية والخبيرة في استطلاعات الرأي داليا شيندلين أن حديث نتنياهو المستمر عن روعة العلاقة مع ترامب يثير في الواقع القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة، فالحرب الحالية لا تسير وفق الخطط المرسومة مسبقاً، والنتائج الميدانية تبدو بعيدة كل البعد عن الأهداف الاستراتيجية التي تم إعلانها في بداية العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية.

استراتيجية الخداع وتكرار سيناريو فنزويلا في طهران

​وتشير القراءة المتأنية للأحداث إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتمد على خبرته الطويلة في إدارة الصراعات السابقة في غزة ولبنان، حيث يراهن على أن اهتمام ترامب المتقلب سينصرف في نهاية المطاف إلى قضايا أخرى، مما قد يمنح إسرائيل حرية الحركة من جديد للقيام بعمليات عسكرية منفردة بعيداً عن القيود التي تحاول الإدارة الأمريكية فرضها في الوقت الحالي.

​ويدرك الجانب الإسرائيلي جيداً أن هناك حدوداً واضحة لقدرة الرئيس الأمريكي على التحرر من القيود الجيوسياسية التي تفرضها التحالفات التاريخية، وكما أشار مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون فإن نتنياهو يمتلك قدرة فائقة على إحداث تغييرات جذرية ومفاجئة في مسار السياسة الخارجية الأمريكية، مستغلاً في ذلك شبكة معقدة من المصالح والضغوط السياسية داخل أروقة واشنطن المختلفة.

​ومنذ الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي عندما بدأت العمليات العسكرية التي أدت إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة بالخليج العربي، ارتبط مصير الزعيمين ببعضهما البعض بشكل وثيق للغاية، لدرجة أصبح معها من الصعب على أي منهما التخلص من إرث هذه المواجهة أو التنصل من التبعات القانونية والسياسية التي قد تترتب على نتائجها المستقبلية.

​وقد أمضى رئيس الوزراء الإسرائيلي عقوداً طويلة من حياته السياسية وهو يحاول إقناع سلسلة متعاقبة من الرؤساء الأمريكيين بضرورة الانضمام إلى إسرائيل في حرب شاملة ضد طهران، حيث بذل جهوداً غير مسبوقة وتدخل بشكل مباشر في السياسة الداخلية الأمريكية، خاصة في عام ألفين وثمانية عشر عندما نجح في دفع ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي التاريخي.

​ووفقاً لتقارير صحفية أمريكية مسربة فإن نتنياهو لعب دوراً محورياً في إقناع الإدارة الأمريكية بأن الخيار العسكري هو الحل الوحيد والناجع لمواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة، مصوراً الحرب على أنها نزهة قصيرة يمكن تحقيق النصر فيها بسهولة ويسر، مستغلاً في ذلك رغبة ترامب في تحقيق إنجازات خارجية سريعة ومدوية تعزز من مكانته السياسية أمام خصومه في الداخل.

الموساد وفخ المعلومات الاستخباراتية المضللة

​وفي شهر يناير من العام الحالي نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية خاطفة وغير مسبوقة في كاراكاس، حيث تم اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة مفاجئة أذهلت العالم، وهو الحدث الذي استغله رئيس الوزراء الإسرائيلي ببراعة ليقدمه لترامب كنموذج حي لما يمكن تحقيقه في طهران، مؤكداً له أن تغيير النظام في إيران سيكون بنفس السهولة والجمال.

​ونقلت الصحف العالمية عن الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بينكاس أن نتنياهو استخدم مهاراته في الإقناع ليبدأ في إغراق البيت الأبيض ببيانات استخباراتية مكثفة، تظهر توسع القدرات الصاروخية الإيرانية وامتلاك طهران كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب، مما خلق حالة من الضرورة الملحة للتحرك العسكري قبل فوات الأوان، وهو ما استجاب له ترامب تحت ضغط تلك التقارير.

​وبمساعدة مباشرة من مدير جهاز الموساد ديفيد بارنيا نجح الجانب الإسرائيلي في تصوير النظام الإيراني كشجرة يابسة وأنه ثمرة ناضجة للغاية أوشكت على السقوط من تلقاء نفسها، ولا تحتاج إلا لضربة عسكرية بسيطة لتنهار تماماً، وهو التصور الذي قوبل بتحفظات شديدة من قبل كبار المسؤولين في مجتمع الاستخبارات والجيش الأمريكي الذين حذروا من مغبة هذا التقدير.

​وحذر المسؤولون الأمريكيون في تقاريرهم السرية من خطر قيام إيران بشن هجمات انتقامية واسعة تستهدف حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، إلا أن موقف نتنياهو المدعوم من صقور الإدارة الأمريكية مثل وزير الحرب بيت هيجسيث كان هو السائد في نهاية المطاف، بحجة أن قوة الحرس الثوري الإيراني مبالغ فيها بشكل كبير.

​ولم تمض سوى ثلاثين يوماً على اندلاع شرارة الحرب حتى بدأت تظهر بوادر خيبة أمل كبيرة لدى الرئيس الأمريكي تجاه الوعود الإسرائيلية، حيث تبين أن المواجهة العسكرية أعقد بكثير مما تم تصويره في البداية، وبحلول نهاية شهر مارس الماضي بدأت النبرة الأمريكية تتغير بشكل ملحوظ تجاه الطريقة التي تدار بها العمليات الميدانية في المنطقة.

التوبيخ العلني وبداية سياسة التهميش الأمريكية

​وقبيل الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل توقف ترامب بشكل مفاجئ عن ذكر إسرائيل أو رئيس وزرائها في تصريحاته العلنية، حيث بدأ المفاوضون الأمريكيون في الانخراط في محادثات سرية ومباشرة مع الجانب الإيراني عبر وسطاء باكستانيين، بينما تم استبعاد تل أبيب تماماً من هذه العملية الدبلوماسية الحساسة التي تهدف لرسم خارطة طريق جديدة.

​واشتكى مسؤولون إسرائيليون كبار لوسائل الإعلام من اضطرارهم للاعتماد على مصادرهم الخاصة لمحاولة فهم ما يجري في غرف المفاوضات المغلقة، حيث تسربت أنباء عن أن مسودة اتفاق السلام المطروحة لا تتضمن أي إشارة لترسانة الصواريخ الإيرانية أو نشاط الوكلاء الإقليميين، وهي الملفات التي يعتبرها نتنياهو خطوطاً حمراء لا يمكن التنازل عنها في أي تسوية مستقرة.

​وعندما اضطر ترامب لذكر اسم حليفه الإسرائيلي في تلك الفترة كان ذلك في الغالب لتوجيه توبيخ علني أو انتقاد لاذع، خاصة بعد قيام الطيران الإسرائيلي بقصف حقل غاز "جنوب فارس" الإيراني، حيث صرح الرئيس الأمريكي بوضوح أنه طلب من الجانب الإسرائيلي عدم القيام بتلك الخطوة التصعيدية التي تسببت في إرباك الحسابات السياسية والعسكرية لواشنطن.

​وأكد الرئيس الأمريكي في تصريحاته أن إسرائيل قد تتصرف بشكل منفرد في بعض الأحيان ولكن إذا لم يعجبه ذلك التصرف فإنه لن يسمح بتكراره مجدداً، وهو ما عكس حجم التوتر المكتوم بين الحليفين، حيث بدأت واشنطن في فرض قيود صارمة على التحركات الإسرائيلية لضمان عدم انجرار المنطقة إلى حرب شاملة لا تخدم المصالح الأمريكية.

​وعندما تم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار حاول نتنياهو التمسك بتفسير خاص يرى أن الجبهة اللبنانية مستثناة من التهدئة، لكن ترامب سارع بالرد عليه بتوبيخ علني غير مسبوق عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً في السابع عشر من أبريل أن الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً، ومطالباً بوقف كافة العمليات العسكرية فوراً دون أي مواربة.

الوساطة الباكستانية وغياب الدور الإسرائيلي

​ومنذ وصول العلاقة إلى هذا المستوى المتدني من التوتر دأب المسؤولون في الحكومة الإسرائيلية على تسريب أنباء للصحافة تفيد بأن وقف إطلاق النار الحالي هو مجرد استراحة محارب ولن يدوم طويلاً، مدعين أن عودة الأعمال العدائية هي مسألة وقت فقط، في محاولة واضحة لتقويض الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة بالتعاون مع القوى الإقليمية.

​وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي انتشرت تقارير مكثفة في الصحف الإسرائيلية تشير إلى استئناف التنسيق العسكري رفيع المستوى بين واشنطن وتل أبيب، تحسباً لضربات مشتركة محتملة ضد أهداف إيرانية، إلا أن هذه الضربات لم تتحقق على أرض الواقع، بل سعت إدارة ترامب بوضوح للتقليل من أهمية أي تبادل لإطلاق النار يحدث في محيط مضيق هرمز.

​ويرى العديد من المحللين أن استبعاد إسرائيل من المحادثات التي ترعاها باكستان يمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً في السياسة الأمريكية، حيث يبدو أن ترامب بدأ يدرك أن مصالحه قد تتقاطع مع مصالح نتنياهو في هذه المرحلة، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية والمخاوف من انهيار الاقتصاد العالمي نتيجة توقف إمدادات الطاقة من منطقة الخليج الملتهبة.

​وفي ظل هذه الأجواء المشحونة يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه في وضع سياسي معقد للغاية، حيث تشير استطلاعات الرأي في الداخل إلى تراجع كبير في شعبيته وشعبية حزبه، مما يهدد مستقبله السياسي في الانتخابات المقبلة المقررة في شهر أكتوبر، والتي قد تسدل الستار على أطول فترة حكم لزعيم إسرائيلي في تاريخ الدولة منذ نشأتها.

​وبالرغم من أن الانتخابات القادمة في الولايات المتحدة هي انتخابات الكونجرس وليست رئاسية، إلا أنها قد تضعف من موقف ترامب بشكل كبير على الصعيد الداخلي، مما قد يجعله أقل رغبة في المغامرة بتقديم دعم غير مشروط للسياسات الإسرائيلية التي يراها الكثيرون في واشنطن الآن سبباً في توريط الولايات المتحدة في نزاعات غير ضرورية.

مستقبل التحالف في ظل المتغيرات الإقليمية

​وتشير التقارير الواردة من تل أبيب إلى وجود حالة من الانقسام داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول جدوى الاستمرار في سياسة المواجهة المباشرة مع طهران دون غطاء أمريكي كامل، حيث يرى البعض أن نتنياهو قد ذهب بعيداً في مراهناته السياسية، مما أدى في النهاية إلى عزل إسرائيل دبلوماسياً حتى عن أقرب حلفائها التاريخيين في البيت الأبيض.

​وفي الوقت ذاته تستمر إيران في اللعب على وتر الخلافات الأمريكية الإسرائيلية، حيث يسعى المفاوضون الإيرانيون لاستغلال رغبة ترامب في تحقيق "صفقة القرن" بنكهة إيرانية لانتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية، وهو ما يزيد من مخاوف إسرائيل التي ترى في أي اتفاق لا يشمل ترسانتها الصاروخية تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه مهما كانت الضمانات.

​وقد بدأت وسائل الإعلام العالمية في تسليط الضوء على الدور المتنامي لباكستان كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران، وهو الدور الذي همش تماماً الدور التقليدي لإسرائيل كلاعب أساسي في صياغة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، مما يعزز من فرضية أن ترامب قرر أخيراً اتباع سياسة "أمريكا أولاً" حتى لو كان ذلك على حساب طموحات حليفه الوثيق.

​ويظل السؤال المطروح في الدوائر السياسية هو ما إذا كان بإمكان نتنياهو استعادة زمام المبادرة وإعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو المسار التصادمي مرة أخرى، أم أن ترامب قد حسم أمره بالفعل وقرر المضي قدماً في مسار التهدئة لضمان استقرار الأسواق العالمية وتأمين فوز حزبه في الانتخابات التشريعية المقبلة التي ستحدد ملامح الفترة القادمة.

​إن العلاقة التي وُصفت يوماً بأنها غير قابلة للكسر تمر الآن باختبار هو الأصعب في تاريخها الطويل، حيث تتداخل فيه المصالح الشخصية مع الأهداف القومية، وتصطدم فيه الرغبة في البقاء السياسي مع ضرورات الأمن القومي، في مشهد يثبت أن التحالفات الدولية مهما بلغت قوتها تظل رهينة للمتغيرات والمصالح المتقلبة في عالم لا يعرف الثبات.

تحديات أكتوبر ونهاية حقبة التماهي السياسي

​ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر تزداد الضغوط على الحكومة الحالية لتقديم إنجازات ملموسة، ولكن في ظل التوبيخ الأمريكي المستمر والقيود المفروضة على العمل العسكري، يبدو أن الخيارات المتاحة أمام نتنياهو بدأت تضيق بشكل كبير، مما قد يدفعه لاتخاذ قرارات دراماتيكية في اللحظات الأخيرة لمحاولة قلب الطاولة على خصومه السياسيين في الداخل.

​وفي واشنطن يبدو أن الدائرة المحيطة بترامب بدأت تميل نحو تبني رؤية أكثر واقعية للصراع، بعيداً عن الوعود الوردية التي قدمها الجانب الإسرائيلي في بداية الأزمة، حيث يتم التركيز الآن على كيفية الحفاظ على المكاسب التي تحققت في فنزويلا دون خسارتها في حرب استنزاف طويلة ومكلفة في رمال الشرق الأوسط التي لا ترحم.

​إن المشهد السياسي الحالي يعكس حجم الفجوة التي بدأت تتسع بين الطموحات الإسرائيلية والواقعية الأمريكية، وهي الفجوة التي قد تعيد رسم توازنات القوى في المنطقة لسنوات طويلة قادمة، وتنهي حقبة من التنسيق المطلق الذي ميز علاقة الرجلين لسنوات، وتضع الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من الغموض السياسي والأمني الذي يلف مستقبل الجميع.

​وفي الختام يبقى أن نراقب كيف ستتطور الأمور في الأيام القليلة القادمة، خاصة مع استمرار المحادثات في باكستان وتزايد التحركات الدبلوماسية في المنطقة، وهل سينجح رئيس الوزراء الإسرائيلي في العودة إلى قلب المشهد من جديد، أم أن ترامب قد قرر بالفعل أن العلاقة لم تعد بهذه الروعة وأن مصلحة واشنطن تقتضي السير في طريق منفصل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق