الإنشاد الدينى فى الأوبرا.. من الموالد إلى المسرح الرسمى

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تبدأ دار الأوبرا المصرية، مساء اليوم الأحد 10 مايو 2026، احتفالاتها بموسم الحج، من خلال أمسية تقدمها فرقة الإنشاد الدينى بقيادة المايسترو عمر فرحات، فى السابعة والنصف مساء على مسرح معهد الموسيقى العربية، بمشاركة عدد من أصوات الفرقة، وهم: طه حسين، حاتم زايد، حسام صقر، تامر نجاح، أحمد حسن، محمد عبد الحميد، سماح عباس، وهبة عادل.
الحفل يفتح الباب أمام الحديث عن واحد من الفنون التى ارتبطت طويلًا بالوجدان المصرى، فن خرج من ساحات الموالد وحلقات الذكر واحتفالات البيوت والمناسبات الدينية، ثم وجد طريقه إلى المسرح الرسمى، منظمًا داخل فرقة متخصصة وبرنامج فنى تعلنه دار الأوبرا ضمن أجندتها الموسيقية.

من الساحة الشعبية إلى القاعة الموسيقية

لم يبدأ الإنشاد الدينى من خشبة المسرح، بل من فضاء شعبى مفتوح. هناك، فى الموالد والمناسبات الدينية وشهر رمضان ومواسم الحج والمولد النبوى، تشكلت علاقة المصريين بالابتهال والتواشيح. كان المنشد يعتمد على صوته وحفظه وقدرته على الوصول إلى الناس مباشرة، وكان الجمهور يتلقى الفن باعتباره حالة وجدانية قبل أن يكون أداءً موسيقيًا منظمًا.
ومع الوقت، صار الإنشاد جزءًا من الذاكرة السمعية للمصريين. ارتبط بالصوت القوى، وبالمديح، وبالقصائد الدينية، وبالمقامات التى يعرفها المستمع بالفطرة حتى إن لم يعرف أسماءها. لذلك ظل هذا الفن حاضرًا فى المناسبات الكبرى، لأنه يخاطب مساحة مشتركة بين الطقس الدينى والاحتفال الاجتماعى.

فرقة لحفظ التراث


تشير دار الأوبرا المصرية إلى أن فرقة الإنشاد الدينى تأسست عام 1972، فى عهد الرئيس محمد أنور السادات، بعد لقاء ضم أسامة أنور عكاشة والمايسترو عبد الحليم نويرة، بهدف إنشاء فرقة تحفظ التراث الدينى الذى اشتهر فى المحافل والموالد والأعياد. وبدأ نويرة تكوين الفرقة باختيار مجموعة من الأصوات، مع الاستعانة بعدد من كبار المشايخ وحفظة التواشيح والقصائد والابتهالات، ومنهم الشيخ سيد موسى، والشيخ عبد السميع بيومى، والشيخ محمد عبد الله، والشيخ محمد الفيومى، والشيخ حنفى.
هذه النشأة تكشف التحول الأهم فى تاريخ هذا الفن؛ فالإنشاد خرج من الاعتماد الكامل على الذاكرة الفردية للمنشدين إلى إطار مؤسسى يتيح التدريب والحفظ والتوثيق وتقديم البرامج بانتظام. وهنا أصبح للمستمع موعد مع هذا اللون الفنى داخل مسرح، بعد أن ظل يسمعه طويلًا فى الشارع والاحتفال والمولد والبيت.

عبد الحليم نويرة وترتيب الذاكرة

يحضر اسم عبد الحليم نويرة فى هذه التجربة باعتباره أحد أبرز الأسماء التى اشتغلت على حفظ الموسيقى العربية وإعادة تقديمها فى صيغة منضبطة. لم يكن الأمر مجرد جمع أصوات، بل تأسيس طريقة فى الأداء تحفظ الروح القديمة وتمنحها شكلًا مسرحيًا مناسبًا.
وفى الإنشاد الدينى تحديدًا، تبدو المهمة دقيقة؛ لأن النص الدينى يحتاج إلى صوت قادر على الجمع بين الجمال والوقار، وبين الإحساس والمعرفة بالمقام، وبين الأداء الجماعى وظهور الصوت المنفرد فى اللحظة المناسبة. لذلك بدت فرقة الإنشاد الدينى منذ بدايتها محاولة لحماية هذا الفن من التشتت، وإبقائه حاضرًا أمام جمهور جديد.

موسم الحج ومعنى الاختيار

اختيار موسم الحج لهذه الأمسية يمنحها دلالة خاصة. فالحج فى الوجدان الإسلامى موسم شوق ورجاء وتجرد، وفى الذاكرة المصرية ارتبط بوداع الحجاج، والدعوات، والأغانى الشعبية، والابتهالات التى تستحضر معنى الرحلة إلى الأماكن المقدسة.
ومن هنا تبدو أمسية الأوبرا امتدادًا لذاكرة طويلة. هى حفل موسيقى، لكنها أيضًا استدعاء لمعنى اجتماعى وروحى يعرفه المصريون جيدًا. فحين يقدم الإنشاد الدينى على مسرح معهد الموسيقى العربية، يصبح الفن الشعبى القديم جزءًا من احتفال رسمى منظم، دون أن يفقد صلته الأولى بالناس.

جماعية الصوت

تقوم فرقة الإنشاد الدينى على طبيعة جماعية واضحة. لا يعتمد هذا الفن على نجم واحد بقدر اعتماده على تتابع الأصوات، وتبادل المقاطع، والكورال، والاستجابة بين المنشدين. وحتى حين يبرز صوت منفرد، فإنه يعود إلى نسيج عام تصنعه المجموعة.
وهذه الخصوصية تميز الإنشاد عن أنماط غنائية كثيرة. فالمستمع لا يبحث فيه عن الطرب بمعناه الفردى وحده، بل عن حالة كاملة: كلمات، مقام، ترديد، خشوع، إيقاع، وصوت جماعى يرفع المعنى ويمنحه اتساعًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق