يعمل وسطاء إقليميون، بمشاركة أطراف أمريكية وإيرانية، على صياغة وثيقة من صفحة واحدة تتضمن ١٤ بندًا رئيسيًا، تهدف إلى إعلان إنهاء العمليات العسكرية، وبدء مرحلة مفاوضات تمتد لمدة ٣٠ يومًا.
أوضحت مصادر أمريكية مطلعة، فى تصريحات نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، أنه خلال هذه الفترة، من المتوقع بحث القضايا الأكثر تعقيدًا، وفى مقدمتها البرنامج النووى الإيرانى، والعقوبات الأمريكية، والأصول الإيرانية المجمدة فى الخارج، إلى جانب الترتيبات المتعلقة بحرية الملاحة فى مضيق «هرمز».
وأضافت أن الاتفاق المقترح يتضمن خطوات متبادلة، بحيث تخفف إيران إجراءاتها فى مضيق «هرمز»، مقابل تخفيف الولايات المتحدة الحصار البحرى بشكل تدريجى خلال فترة المفاوضات.
فى السياق ذاته، قالت شبكة «سى إن إن» الأمريكية، إن الحرب الإيرانية وصلت إلى أسبوعها العاشر من دون أفق واضح للحسم، ليجد الرئيس دونالد ترامب نفسه عالقًا بين مأزقين رئيسيين من صنعه، الأول جيوسياسى يتعلق بقدرة إيران على استخدام أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها التحكم فى مضيق «هرمز»، ورفضها تقديم تنازلات نهائية، والثانى داخلى مرتبط بتراجع الدعم الشعبى داخل الولايات المتحدة، ما يقلص مساحة المناورة السياسية أمامه.
وأضافت «سى إن إن»: «استمرار الحرب يفرض تكاليف سياسية واقتصادية متزايدة على الإدارة الأمريكية، فى ظل تراجع شعبية ترامب إلى مستويات منخفضة، وارتفاع أسعار الوقود إلى أكثر من ٤.٥ دولار للجالون، إلى جانب تنامى المعارضة الشعبية لاستمرار العمليات العسكرية، وهو ما يجعل الاستمرار فى الحرب محفوفًا بالمخاطر السياسية».
بناء على ذلك، يحاول الرئيس الأمريكى الترويج بشكل متكرر لاحتمالات إحراز تقدم فى مسار التفاوض، إلا أن التناقض فى التصريحات، وتغيير الخطط العسكرية بشكل مفاجئ، يعكسان حالة من الارتباك فى إدارة الملف، وفقًا للشبكة الأمريكية.
وأوضحت أن أحدث محاولات التوصل إلى تسوية يتمثل فى مذكرة مختصرة من صفحة واحدة يجرى التفاوض عليها بين واشنطن وطهران بوساطة باكستان، تهدف إلى وقف الحرب، وفتح مسار تفاوضى يمتد لمدة ٣٠ يومًا لمعالجة القضايا العالقة.
لكن مراقبين يرون أن وثيقة بهذا الحجم قد لا تكون كافية لحل ملفات معقدة تراكمت على مدار عقود بين الجانبين، خاصة ما يتعلق بالبرنامج النووى الإيرانى، وبرامج الصواريخ، ودور إيران الإقليمى.
وكشفت «سى إن إن» عن أن المطالب الإيرانية تتعلق بتخفيف العقوبات بشكل واسع لإعادة إنعاش الاقتصاد، إلى جانب السعى لتحقيق مكاسب اقتصادية من حركة مرور ناقلات النفط والغاز عبر مضيق «هرمز»، الذى تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران.
وتشير المعلومات إلى أن إيران من المتوقع أن تقدم ردها على المقترح الأمريكى عبر وسطاء باكستانيين، خلال الأيام المقبلة، وسط مؤشرات على أن هذه الجولة من المحادثات قد تكون الأقرب منذ بدء الحرب، رغم استمرار حالة عدم اليقين.
فيما أكدت صحيفة «الجارديان» البريطانية، أن الرئيس الأمريكى بدأ فى تغيير مسار السياسة الخارجية بشكل مفاجئ وسريع، فى مشهد يعكس تقلبات حادة فى إدارة واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيدًا.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، تمحور الخطاب حول الحرب، وأصر «ترامب» على أن إيران لم تدفع بعد ثمنًا كافيًا، فى إشارة إلى استمرار العمليات العسكرية والضغط السياسى على طهران.
ثم جاء يوم الثلاثاء ليحمل تحولًا جديدًا تحت عنوان «مشروع الحرية»، الذى جرى تقديمه كخطوة إنسانية كبرى تهدف إلى السماح للسفن العالقة وطاقمها بمغادرة منطقة الخليج، لكنه فى الوقت ذاته كان يهدف إلى تقويض قدرة إيران على التحكم فى مضيق «هرمز»، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية فى العالم.
لكن بحلول الساعات الأولى من الأربعاء، عاد الخطاب مجددًا نحو مسار التهدئة، وأعلن الرئيس الأمريكى عن أن تقدمًا كبيرًا قد تحقق نحو اتفاق شامل ونهائى، مشيرًا إلى تعليق عملية «مشروع الحرية» لـ«إتاحة الفرصة أمام المسار التفاوضى».
ورغم التناقض الظاهر فى هذه التحولات خلال أيام قليلة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو محاولة التعامل مع مجموعة من الحقائق الجيوسياسية الصعبة، أبرزها أن النظام الإيرانى من غير المرجح أن ينهار أو يتخلى عن حقه فى تخصيب «اليورانيوم» مهما بلغت شدة الضغوط العسكرية، إلى جانب قدرة طهران على استخدام مضيق «هرمز» كورقة ضغط استراتيجية، فضلًا عن أن إغلاق الخليج بالكامل يضر بالاقتصاد العالمى والاقتصاد الأمريكى على حد سواء، وليست إيران فقط، وفق الصحيفة البريطانية.
وتشكل هذه الحقائق ما يشبه «صندوقًا فولاذيًا» يجد ترامب نفسه محاصرًا داخله نتيجة سياساته وخياراته، حسب «الجارديان»، التى أضافت: «تعكس التغيرات المتكررة فى الأيام الأخيرة حالة من التخبط فى البحث عن مخرج، سواء كان بعيدًا عن الإذلال السياسى أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد».
ورغم ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بأن «ترامب» تمكن من إيجاد مخرج من هذا المأزق، خاصة مع تحذيره المتكرر من احتمال شن ضربات أكثر كثافة وشدة إذا لم تقبل إيران بالشروط المطروحة، وهو ما يعكس قلق الإدارة الأمريكية من فشل المسار الحالى.











0 تعليق