زواج سُنى- شيعى! «2-2»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

رأينا فى المقال السابق كيف شهد عام ١٩٣٩ حدثًا مهمًا فى تاريخ الشرق الأوسط، ليس فقط الحرب العالمية الثانية، وإنما الزواج الشهير بين ولى عهد إيران فى ذلك الوقت، محمد رضا بهلوى، والأميرة المصرية فوزية، وكان ذلك فى حقيقة الأمر حدثًا مهمًا لأنه أولًا زواج بين «شيعى» و«سُنية»، وأن الأزهر بارك هذا الزواج، بل وقام شيخ الأزهر بنفسه بعقد هذا القران. وهنا تطرقنا إلى مسألة «الزواج المختلط» ومشاكله فى الشرق الأوسط.

لكن الأمر الأكثر إثارة هنا هو أن هذا الزواج له طابع سياسى لا يخفى على أحد، فهو ارتباط بين أكبر أسرتى حكم فى العالم الإسلامى: الأسرة الحاكمة فى طهران، والتى تعتبر نفسها حامية العالم الشيعى، والأسرة الحاكمة فى القاهرة، بلد الأزهر، التى تعتبر نفسها- آنذاك- حامية العالم السُنى. وهنا نحن ندخل فى مجال ما يعرف فى التاريخ، والتاريخ الأوروبى على وجه الخصوص، بالزواج السياسى أو زواج المصلحة. وما يدعم ذلك ما جاء فى الفيلم التسجيلى الإنجليزى الذى أعدته هيئة الإذاعة البريطانية عن هذا الزواج، أن العريس، أى محمد رضا بهلوى، لم ير عروسه وجهًا لوجه إلا يوم عقد القران، وربما اطلع من قبل على صور لها. إذًا الزواج لم يكن قصة حب بين الأميرة الشابة الصغيرة التى كان عمرها ١٧ عامًا، مع ولى العهد.

ويُقال إن مشروع الزواج بدأ من طهران، ومن رغبة الشاه الإيرانى- الأب- رضا بهلوى فى دعم مكانته ونفوذه، سواء فى إيران، أو فى العالم الإسلامى، أو حتى فى مواجهة التدخل الأوروبى فى شئون إيران، من خلال الارتباط بأكبر أسرة حاكمة فى العالم الإسلامى- آنذاك- أسرة محمد علىّ. من هنا أرسل مبعوثه إلى مصر لطلب زواج ابنه من الأميرة فوزية. وما يدعم هذا الرأى أن رضا بهلوى نفسه لم يكن من الأُسر العريقة فى إيران، فلم يكن إلا ضابطًا قام بانقلاب عسكرى، ونصَّب نفسه شاهًا على البلاد. من هنا فإن هذا الزواج، يدعم حكم أسرته بشدة على المستوى المحلى والإقليمى والعالمى.

ويرى البعض أن الملك فاروق لم يكن فى البداية مُرحِّبًا بهذا الزواج، لكن الشيخ المراغى، شيخ الأزهر، أقنعه بأهمية هذا الزواج، الذى يربط بين أكبر أسرة حاكمة فى العالم السُنى، وأكبر أسرة حاكمة فى العالم الشيعى، وأن هذا الزواج سيُعيد إلى الساحة من جديد فكرة إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، ومعلوم مشاريع إحياء الخلافة التى بدأت فى عصر الملك فؤاد، واستمرت فى بداية عهد الملك فاروق «الفاروق» «الملك الصالح». كما أوضح له أنه ليس هناك مانع فقهى فى هذا الزواج، ما دام عُقد على المذهب الحنفى. وربما هذا يفسر قيام شيخ الأزهر بنفسه بعقد هذا الزواج، بل وإنارة الأزهر ليلًا احتفالًا بالقران السعيد.

من ناحية أخرى لم يكن لدى بريطانيا، القوة العظمى المهيمنة آنذاك على شئون الشرق الأوسط، مانع فى عقد مثل هذا الزواج، الذى فى النهاية يدعم مكانتها، وفكرتها الأساسية فى إحياء الخلافة، وجعلها تحت يديها فى الوقت نفسه. وربما هذا يفسر اشتراك قوات بريطانية فى طهران فى الاستعراض العسكرى احتفالًا بهذا الزواج. وفى الوقت نفسه كانت ألمانيا ترحب بهذا الزواج بل واشتركت قوات ألمانية رمزية فى هذا الاستعراض فى طهران.

الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الضحية فى هذا الزواج هو العروس، التى ذهبت لتعيش فى بيئة غريبة عنها، طهران التى كانت فى ذلك الوقت أقل تمدينًا عن القاهرة. ولنا أن نتخيل لغة الحوار بين العروسين، البعض يقول الفرنسية، بينما هى قالت- بعد ذلك- إن فرنسيته كانت ضعيفة، والبعض يقول باللغة التركية، التى كان يجيدها العريس فهو من الأذر، ولو أن له نسبًا مع القاجار، والبعض يقول الإنجليزية.

كما وصفت فوزية حالة المعاناة التى عاشتها فى طهران، خاصةً بعد صعود العريس إلى العرش، وسوء معاملة أم العريس لها، ونظرتها إليها على أنها الأجنبية الغريبة التى أصبحت «الشهبانو». كما اعترض العديد من الأُسر الكبيرة الإيرانية على صعود فوزية لمنصب «شهبانو»، بل ورأت هذه الأُسر أن هذا المنصب أحق به بناتها الإيرانيات.

كل ذلك أصاب فوزية بالاكتئاب الشديد والحنين إلى الوطن، وأُصيبت بالهُزال، وطلبت زيارة مصر، وبالفعل عادت المريضة إلى مصر، حيث طلبت من أخيها الملك فاروق ضرورة طلب الطلاق من الشاه. وأمام الحالة الصحية والنفسية التى وصلت إليها فوزية، سعى فاروق إلى طلب الطلاق.

وتحت إلحاح فاروق، ووفقًا لوثيقة الطلاق، وافق الشاه فى عام ١٩٤٨ على طلاق فوزية «طلاقًا ثلاثًا بائنًا». وهكذا يُسدل الستار على أشهر قصة «زواج سياسى» فى الشرق الأوسط فى النصف الأول من القرن العشرين، زواج وُصّف فى البداية بالقِران الملكى السعيد، وكانت النهاية «الطلاق بالثلاثة».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق