تواصل الدولة المصرية خوض واحدة من أدق معاركها الوجودية وأكثرها تعقيدًا لضمان "الأمن المائي"، إيمانًا منها بأن قطرة المياه هي الركيزة الأولى للحياة والتنمية المستدامة.
وتوضح السطور التالية استراتيجية شاملة واستباقية للانتقال من ثقافة "الوفرة المهدرة" إلى ثقافة "الإدارة الذكية" للموارد المائية، عبر ضخ استثمارات تخطت مئات المليارات من الجنيهات لتنويع مصادر المياه، وإعادة تدويرها، ووقف نزيف الهدر في الشبكات القديمة.
في صدارة هذه الملحمة الهندسية والبيئية، يبرز التوجه غير المسبوق نحو إعادة استخدام وتدوير مياه الصرف الزراعي بدلًا من هدرها، ليثمر عن إنشاء أضخم محطات المعالجة على مستوى العالم، وتتجلى هذه الإرادة في "محطة بحر البقر" التي دخلت موسوعة جينيس كأكبر محطة معالجة في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ ٥.٦ مليون متر مكعب يوميًا، لتساهم في استصلاح أراضي سيناء.
ولم يتوقف الطموح هنا، بل تم تدشين "محطة الحمام" لخدمة مشروع الدلتا الجديدة بطاقة أضخم تصل إلى ٧.٥ مليون متر مكعب يوميًا، لتوفر هذه المحطات العملاقة مليارات الأمتار المكعبة سنويًا من المياه النظيفة القابلة للزراعة الآمنة.
وللقضاء على هدر المياه الناتج عن تسربها في التربة الطينية لعقود، أطلقت الدولة المشروع القومي لـ "تأهيل وتبطين الترع"، والذي يُعد الأضخم من نوعه في تاريخ الري المصري. يستهدف المشروع في مراحله المختلفة تبطين أكثر من ٢٠ ألف كيلومتر من الترع المتعبة، بتكلفة إجمالية تقترب من ٨٠ مليار جنيه، وقد نجح هذا المشروع بالفعل في ضمان وصول المياه إلى نهايات الترع، وتحقيق عدالة التوزيع بين المزارعين، وتوفير مليارات الأمتار المكعبة من المياه التي كانت تُفقد هباءً، بالتوازي مع التوسع في تطبيق نظم "الري الحديث" لترشيد استهلاك المياه في الأراضي الزراعية.
ولم تقتصر الرؤية على مياه النيل فقط، بل تحركت الدولة لتأمين احتياجات المدن الساحلية والجديدة عبر التوسع الضخم في إنشاء محطات "تحلية مياه البحر".
فقد تم تنفيذ خطة عاجلة ضاعفت عدد محطات التحلية لتتجاوز الـ ٨٠ محطة (عاملة وتحت الإنشاء) في محافظات مطروح، والبحر الأحمر، وشمال وجنوب سيناء، والمدن الجديدة (مثل العلمين والجلالة)، لتقفز الطاقة الإنتاجية من ٨٠ ألف متر مكعب يوميًا في عام ٢٠١٤ إلى ما يتجاوز مليون متر مكعب يوميًا، لتخفيف الضغط كليًا عن مياه النيل في تلك المحافظات.
تؤكد هذه المؤشرات والإحصائيات أن "الأمن المائي" في الجمهورية الجديدة يُدار بعقلية علمية لا تعرف المستحيل، فهذه المشروعات القومية الجبارة ليست مجرد رد فعل لمواجهة الشح المائي المعتاد، بل هي تطبيق فعلي لمفهوم "التنمية المستدامة"، لتثبت مصر قدرتها على ترويض التحديات البيئية والجغرافية، وتأمين حق الأجيال القادمة في كل قطرة مياه.


















0 تعليق