"الدهشة" مقابل تحرك اميركي مسبق
وعلى الرغم من ملامح الدهشة التي ارتسمت على وجه الرئيس ترامب وقوله إنه "لم يسمع بهذا القانون مطلقاً"، فإن الوقائع الدبلوماسية تشير إلى أن ملف "المقاطعة" كان حاضراً بقوة في أروقة القرار الأميركي قبل أسابيع من قمة واشنطن. ففي منتصف آذار الماضي، كان لافتاً التحرك الذي قاده نواب أميركيون، من بينهم براد شنايدر ودارين لحود وإبراهيم حمادة، الذين وجّهوا رسالة رسمية إلى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، طالبوا فيها صراحةً بممارسة ضغوط على الحكومة لتعليق العمل بهذه القوانين.
في المقابل، تبدو المقاربة الرسمية اللبنانية أكثر تريثاً وتمسكاً بسلم الأولويات؛ إذ تضع بيروت وقف إطلاق النار، وانسحاب الاحتلال، وإعادة الإعمار فوق أي نقاش قانوني فرعي. وترى الدولة اللبنانية أن هذا الملف يُطرح "لاحقاً" تتويجاً للمفاوضات في حال وصلت إلى النتائج المرجوة، وليس أولوية في زمن الحرب.
مقاطعة إسرائيل في عيون المواطنين
في موازاة ذلك، يبرز انقسامٌ عمودي حاد في القراءة الشعبية لمصير هذا القانون، يتجاوز في أبعاده مجرد النقاش القانوني ليلامس هوية لبنان وموقعه في المنطقة.
ففي حين يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن قانون 1955 بات "عبئاً تشريعياً" ينتمي إلى زمنٍ غابر، ولم يعد يواكب قطار السلام الذي تتجه إليه المنطقة، ولا يتماشى مع عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشركات العابرة للحدود، يعتبر هؤلاء أن السير في مفاوضات واشنطن يتطلب شجاعة في تحديث المنظومة القانونية.
وبالنسبة إليهم، فإن إلغاء القانون أو تعليقه قد يشكّل الممر الإلزامي لعودة العلاقات الندية، وجذب الاستثمارات، والمساهمة في إعادة الإعمار، وكسر العزلة الدولية التي يعاني منها لبنان.
في المقابل، يرتفع صوتٌ رافض لأي مساس بهذا الجدار التشريعي، معتبراً أن "قانون المقاطعة" هو آخر معاقل الحصانة الوطنية. فبالنسبة لهذا التيار، لا يمكن الحديث عن "تجريم التواصل" كـ"جنون" طالما أن الأرض لا تزال محتلة والانتهاكات مستمرة. وبالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، فإن المسألة تتعلق بالعدالة والكرامة قبل أن تكون مساراً دستورياً؛ إذ كيف يُطلب ممن فقد أغلى ما يملك أن يقبل بتشريع التواصل مع من كان سبباً في مأساته؟ ويرى هؤلاء أن أي تراجع قانوني في هذا التوقيت قد يُفسَّر على أنه "تطبيع مجاني" يُقدَّم تحت الضغط، وتنازل عن ورقة سيادية كبرى قبل نضوج تسوية عادلة وشاملة تضمن حقوق لبنان وشعبه كاملة.
قانون مقاطعة اسرائيل في ميزان الدستور
وأمام هذا المشهد المعقد، يفرض الواقع القانوني في لبنان إشكالية بنيوية تتعلق بمدى مواءمة التشريعات التاريخية مع المستجدات الدبلوماسية الراهنة. وتبرز الحاجة إلى تحديد المسارات الدستورية التي تحكم علاقة الدولة بنصوصها النافذة، وهو ما يفنّده الخبير الدستوري سعيد مالك عبر "لبنان 24" من زاوية أكاديمية بحتة، منطلقاً من مبدأ "قانونية النص واستمراريته".
ويشير مالك، الى أن قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 لا يزال حتى اليوم قانوناً نافذاً، ولا يمكن إلغاؤه أو تعديله إلا عبر قانون جديد يصدر عن مجلس النواب وينص بشكل صريح وواضح على إلغاء أو تعديل أحكامه.
ومن الناحية الإجرائية، يوضح مالك أن مسار تعديل هذا القانون أو إلغائه يمرّ بأحد طريقين: إما أن تتقدم الحكومة بمشروع قانون إلى مجلس النواب بهذا الخصوص، أو أن تتقدم كتلة نيابية أو أكثر باقتراح قانون، ليُحال في الحالة العادية إلى اللجان النيابية المختصة لدراسته، ما لم يُعتمد وصف “المعجل المكرر”، حيث يمكن عندها طرحه مباشرة على الهيئة العامة والتصويت عليه.
وفي الحالتين، يشدد مالك على أن أي تعديل أو إلغاء لا يصبح نافذاً إلا بعد إقراره وفق الأصول التشريعية، بحيث يصدر قانون جديد يحلّ مكان القانون القديم أو يعطّله بصورة كاملة.
ويرى مالك أن المنطق السياسي والقانوني يفترض أن أي تعديل على هذا القانون يجب أن يأتي في سياق نتائج المفاوضات الجارية، لا أن يسبقها. فمرحلة التفاوض، برأيه، هي مرحلة أولية وضرورية وملزمة، يُبنى على أساسها أي تحول تشريعي لاحق، بحيث يكون تعديل القانون أو إلغاؤه نتيجة طبيعية لمسار تفاوضي ناجح، وليس خطوة استباقية.
طبيعة التفاوض وحدود المسؤولية الدستورية
من زاوية دستورية، يؤكد مالك أن قرار التفاوض بحد ذاته يدخل ضمن صلاحيات الدولة السيادية، وبالتالي لا يمكن تجريمه أو اعتباره خرقاً قانونياً، لأن قانون المقاطعة وُضع أساساً لمحاسبة الأفراد والشركات على التعامل مع إسرائيل، وليس لتقييد الدولة في ممارسة صلاحياتها السياسية أو التفاوضية.
وبناءً عليه، يعتبر أن أي نقاش حول مسؤولية قانونية مرتبطة بمسار التفاوض، أو حول انعكاس قانون المقاطعة عليه، لا ينطبق على الدولة أو على مؤسساتها الدستورية التي تملك حق اتخاذ قرار التفاوض من عدمه.
أما في ما يتعلق بالحديث عن لقاءات محتملة بين رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فيؤكد مالك، أن هذا الملف يندرج حصراً ضمن صلاحيات رئيس الدولة، بوصفه المسؤول عن إدارة التفاوض وتحديد آلياته، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، وبالتالي فإن قرار اللقاء أو عدمه يعود حصراً إليه في إطار موقعه الدستوري.
سياق تاريخي...ولبنان "الاستثناء"
منذ لحظة إقراره في خمسينيات القرن الماضي، ارتبط قانون مقاطعة إسرائيل بمناخ عربي عام اتسم برفض الاعتراف بدولة إسرائيل، وكان جزءاً من منظومة المقاطعة التي تبنّتها جامعة الدول العربية بعد نكبة 1948. ومع مرور الزمن، ظل القانون في لبنان ثابتاً رغم تبدّل المشهد الإقليمي: فبينما وقّعت مصر اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ثم أبرمت الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994، وأخيراً انخرطت دول خليجية في اتفاقيات أبراهام عام 2020، بقي لبنان متمسكاً بنصوصه القانونية كإعلان صريح لاستمرار حالة الحرب.
هذا الثبات جعل القانون رمزاً لهوية سياسية وسيادية، لكن اليوم، ومع مناخ التفاوض، تبدّل المشهد وباتت الوقائع تفرض ممرّاً إلزامياً لا يهدف إلى القفز فوق احتلال الأرض والدمار أو نسيان دماء الأبناء والجراح التي لم تندمل، بل إلى حماية ما تبقى من وطن.
فلبنان اليوم، وإن سار نحو "برّ الأمان" في مفاوضاته، قد يتجه إلى مراجعة هذا القانون استكمالاً لمسار تحصيل الحقوق، بحيث يكون أي تعديل تشريعي محتمل نتيجةً طبيعية للمسار الدبلوماسي الذي ترسمه المفاوضات، لا خطوة استباقية تُفهم على أنها تنازل أو تراجع عن الثوابت الوطنية.









0 تعليق