في السابق، كان الطفل يتحرّك ضمن دائرة مغلقة: البيت، المدرسة، الحي. أي سلوك خاطئ كان يبقى ضمن هذا النطاق، وتداعياته محدودة. اليوم، هذه الدائرة انهارت بالكامل. الهاتف الذكي نقل الطفل من محيطه الضيق إلى فضاء عالمي مفتوح، حيث يمكنه الوصول مباشرة إلى جهات سياسية وعسكرية وإعلامية، دون أي وسيط أو فلترة. هنا، لم يعد "الخطأ" مجرد خطأ، بل قد يتحوّل إلى فعل له أبعاد أمنية وسياسية حقيقية، حتى لو لم يدرك الطفل ذلك.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
أولًا، مفهوم "المسافة"
العدو لم يعد بعيدًا أو مجرّد فكرة تُروى في الأخبار أو المناهج، هو أصبح حاضرًا في منصات التواصل، عبر حسابات تفاعلية تستخدم لغة قريبة من الجمهور. هذا القرب الرقمي يُسقط الحاجز النفسي، ويجعل التواصل يبدو أمرًا عاديًا.
وفي هذا الإطار، قالت الصحافية فاطمة البسام لـ"لبنان٢٤": "المسألة لا تتعلّق فقط بالحادثة بحدّ ذاتها، بل بما تكشفه عن تحوّل في سلوكيات الجيل الجديد. هناك نوع من الاستسهال في فكرة التواصل المباشر مع جهة تُعدّ عدوًا، وكأنّ الحاجز النفسي أو الأخلاقي الذي كان قائمًا لدى الأجيال السابقة لم يعد حاضرًا بالحدّة نفسها".
وأضافت: "إذا قارنا ذلك بجيلنا، نجد أنّ هذه الإمكانية لم تكن متاحة أصلًا. لم تكن هناك منصات تتيح لطفل أو مراهق أن يفتح محادثة مباشرة مع جهة عسكرية أو سياسية. حتى فكرة الوصول كانت شبه مستحيلة، ما كان يخلق بطبيعته نوعًا من الرادع، أو على الأقل مسافة نفسية واضحة".
ثانيًا، تسطيح السياق
المنصات الرقمية تخلط بين الترفيه والسياسة والدعاية، ما يضعف إدراك خطورة بعض الجهات. الطفل لا يرى سياقًا صراعيًا متكاملًا، بل محتوى متجاورًا وقابلًا للتفاعل.
وهنا تشير البسام إلى أن: "الوسائل الرقمية جعلت كل شيء متاحًا بضغطة زر. يمكن لأي شخص، بغضّ النظر عن عمره، أن يتواصل مع أي جهة، دون إدراك كافٍ لطبيعة هذه الجهة أو لتبعات هذا التواصل، وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية".
ثالثًا، غياب الإدراك بالتبعات
ما قد يبدو تصرّفًا عفويًا أو بدافع الفضول، يمكن أن يتحوّل إلى مادة قابلة للتوظيف ضمن سياقات أكبر. الطفل لا يفكّر بمفاهيم مثل "معلومة حساسة" أو "استغلال"، بينما الواقع الرقمي اليوم يسمح بتحويل أي محتوى إلى أداة ضمن صراع أوسع.
رابعًا، تحوّل طبيعة المواجهة.
لم تعد المواجهة محصورة في بعدها العسكري، بل امتدت إلى ما يُعرف بالحرب الإدراكية، حيث يصبح التأثير على الوعي هدفًا بحد ذاته. أي حادثة فردية يمكن أن تُستخدم لإنتاج سرديات أوسع حول المجتمع والجيل الجديد.
هنا تحديدًا تكمن الخطورة: ليس في الفعل بحد ذاته، بل في قابليته للتضخيم والتوظيف.
لكن في المقابل، من المهم عدم الوقوع في التعميم. لا يمكن القول إن الجيل الجديد يتبنّى هذا السلوك بشكل مطلق، بل هو نتاج بيئة مختلفة جذريًا، حيث الحدود أقل وضوحًا، والتواصل أكثر سهولة.
وتلفت البسام إلى أن: "هذا الواقع يطرح أسئلة جدية حول التربية والوعي. فالأمر لا يرتبط فقط بسلوك فردي، بل بمنظومة كاملة: كيف يُربّى هذا الجيل؟ ما الذي يُقال له عن طبيعة الصراع؟ كيف يُفهم مفهوم العدو في زمن المنصات المفتوحة؟"
كما تضيف: "حين يظهر الحساب العسكري إلى جانب حسابات ترفيهية وشخصية، يتراجع الإحساس بخطورته، ويُعاد تقديمه ضمن إطار قابل للتفاعل، ما قد يساهم، بشكل غير مباشر، في نوع من تطبيع الفكرة".
وفي الخلاصة، تؤكد البسام: "لا يمكن اختزال المسألة بواقعة واحدة. ما حدث قد يكون مؤشّرًا إلى خلل في بناء الوعي لدى جزء من الجيل، حيث تغيب الحدود الواضحة بين ما هو مقبول وما هو خطير. لذلك، فإنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في التوقف عند الحادثة، بل في فهم ما تعكسه، والعمل على بناء وعي رقمي وتربوي يواكب هذا الانفتاح".
هذه الحادثة ليست معزولة، هي تعكس مرحلة جديدة لم تعد فيها المواجهة محصورة بالجغرافيا، بل امتدت إلى الشاشات وعقول الأجيال الصاعدة. والسؤال الأهم لم يعد: لماذا فعلت الطفلة ذلك؟
بل: هل نواكب فعلًا العالم الذي تعيش فيه هذه الطفلة؟











0 تعليق