النهر الصناعى يمتد من المنطقة الاستثمارية حتى محيط «جامع عمرو»
توفير عوائد من خلال أنشطة متعددة بدلًا من تحميل الدولة أعباء التشغيل
منطقة مخصصة لعرض المقتنيات والقطع الأثرية فى إطار مخزن متحفى مفتوح
أعمال حفائر وترميم وفق ضوابط أثرية دقيقة للحفاظ على الطبقات التاريخية دون إتلافها
تصميم يحقق تكاملًا بين أربعة محاور «سياحى واجتماعى وثقافى واستثمارى»
فلسفة تعتمد على تحويل الحدائق إلى كيانات قادرة على تغطية تكاليف تشغيلها ذاتيًا
فى تلال الفسطاط، لا يقف الزائر أمام مشروع تطوير تقليدى، بل أمام موقع تاريخى شهد لحظة التأسيس الأولى للعمران الإسلامى فى مصر، حين استقر عمرو بن العاص وجيشه لتنشأ أول عاصمة إسلامية.
وعلى امتداد القرون، تغيّرت ملامح المكان مرات عديدة، وتداخل الأثرى بالعشوائى، واختلط التاريخى بالمهمل، حتى تحولت المنطقة فى مرحلة ما إلى عبء عمرانى وبيئى، لكنها ظلت محتفظة بقيمتها التاريخية.
اليوم يعود الموقع برؤية جديدة عبر مشروع «حدائق تلال الفسطاط» فى قلب مصر القديمة، الذى يُشرف على تنفيذه صندوق التنمية الحضرية التابع لمجلس الوزراء، وهو المالك للمشروع بالتعاون مع جهاز تعمير القاهرة الكُبرى التابع للجهاز المركزى للتعمير تحت ولاية وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية، ليعيد صياغة الوجه الحضارى للمكان بما يليق بمكانته التاريخية.
«الدستور» أجرت معايشة ميدانية داخل المشروع استمرت لساعات، للوقوف على طبيعة ما تم تنفيذه هناك، ورصد ملامح التحول الذى يعيد لهذا الموقع العريق حضوره فى المشهد العمرانى والثقافى.
منطقة ثقافية وأخرى استثمارية تضم مولات ومطاعم
بدأت الجولة التى اصطحبتنا فيها المهندسة سحر الخطيب، المنسق العام للمشروع، رفقة المهندسة مها مدحت، مدير عام المشروع، والمهندسة مها عبدالفتاح، مدير عام المرافق، عبر سيارة جولف كهربائية من داخل المنطقة الاستثمارية. فى تلك المنطقة تتشكل ملامح مشروع يعد كيانًا متكاملًا يضم أنشطة اقتصادية وخدمية، وتتوزع المولات والمطاعم بشكل مدروس، فى محاولة لخلق نقطة جذب مستدامة.
من هذه النقطة بدأنا التحرك نحو المنطقة الثقافية، التى تنخفض ناحية الأرض تدريجيًا عن سابقتها، وكأن التصميم يقود الزائر بصريًا ووجدانيًا من زخام النشاط التجارى إلى مساحة أكثر هدوءًا وعمقًا، وتضم المنطقة عددًا من المطاعم، إلى جانب مصليين منفصلين للرجال والسيدات، فى مشهد يعكس مراعاة البعدين الخدمى والإنسانى داخل المشروع.
وفى نهاية هذا المسار، تفرض شاشة عرض ضخمة نفسها كعنصر بصرى لافت، تقدم محتوى تعريفيًا بمكونات الحديقة، إلى جانب عرض مقتنيات متحف الحضارات المجاور، فى محاولة لربط الحديقة بمحيطيها التاريخى والثقافى. ومع مغادرة المنطقة الثقافية، يتغير المشهد تدريجيًا، حيث تبدأ السيارة فى الصعود، لتظهر ملامح مختلفة، وصولًا إلى منطقة النادى الرياضى، الذى تم الانتهاء من تنفيذه وتسليمه لوزارة الشباب والرياضة ويعمل بالفعل حاليًا، مقدمًا نموذجًا حضاريًا لخدمة أهالى المنطقة.
لكن الذروة الحقيقية للجولة تبدأ مع صعود التلال الثلاثة، التى تقف اليوم كأنها علامة مميزة داخل المشروع، وتحمل فى طياتها قصصًا مختلفة، إذ تشكّلت فى الأصل من مخلّفات تاريخية تعود إلى أحداث حريق القاهرة فى العصر الإسلامى، ما يضفى على الموقع بعدًا تاريخيًا وإنشائيًا فى آن واحد. وقالت المهندسة سحر الخطيب إن ما تم تنفيذه فى الموقع لا يقتصر على أعمال تنسيق تقليدية، بل يمثل تحديًا هندسيًا حقيقيًا نجح فيه المهندس المصرى فى إعادة تشكيل المكان وتحويله من مخلفات متراكمة إلى مشهد بصرى متكامل. وأضافت أن المشروع نتاج عمل مشترك بين عدة جهات تابعة لوزارة الإسكان، من بينها صندوق التنمية الحضرية، وهيئة المجتمعات العمرانية، والجهاز المركزى للتعمير، فى إطار تكامل الأدوار وإعطاء كل جهة حقها فيما تحقق على أرض الواقع. وأوضحت أن التنفيذ لا يتعلق بالشكل النهائى فقط، بل يبدأ من طبقات تأسيس عميقة للبنية التحتية، قائلة: «إحنا بنتكلم عن مرافق كاملة: صرف صحى، مياه، حريق، طرق زراعية وصرف زراعى، وكل ده كان لازم يجهز الأول قبل أى شكل جمالى». وأشارت إلى أن فلسفة العمل اعتمدت على تأهيل الأرض بالكامل قبل أى تشكيل، قائلة: «الأرض هنا ما كانتش جاهزة، كان لازم نشتغل على العزل الأول، ثم طبقات الحماية، وبعدها إعادة تشكيل التربة، وكل خطوة كانت بتتراجع هندسيًا بدقة».
حوض زراعى ومسطحات مائية.. ومبنى ألعاب إلكترونية
خلال تحركنا داخل الموقع، كشفت المهندسات المشرفات على المشروع عن أن تنفيذ الحوض الزراعى والمسطحات المائية تم وفق نظام هندسى متدرج يبدأ بالعزل الكامل، ثم طبقات متتابعة من الحماية، قبل الوصول إلى الشكل النهائى، مع مراعاة الفروق فى المناسيب وطبيعة التربة.
كما توقفنا عند بعض النقاط المطلة على الشلالات والمسطحات المائية، حيث تم شرح طبيعة الأعمال الهندسية المرتبطة بها، من شبكات التغذية والتحكم، إلى أعمال الكهرباء والتشغيل، باعتبارها جزءًا من منظومة تشغيل متكاملة وليست عناصر شكلية فقط.
وخلال الانتقال إلى جزء آخر من الحديقة، تصاعدت حالة التفاعل مع تفاصيل المشروع، حيث بدأت المهندسة مها عبدالفتاح فى شرح ما وصفته بـ«منطقة المغامرة»، التى تم تخصيصها للأطفال والفئات العمرية المختلفة، مع مراعاة تنوع الاستخدامات داخل نفس المساحة.
وفى إشارة منها إلى شكل الأعمال، قالت مها عبدالفتاح إن الأرضيات المطاطية متعددة الألوان جاءت وفق اشتراطات فنية دقيقة، بحيث تحقق عنصر الأمان أولًا، مع القدرة على استيعاب الكثافات العالية من الزائرين، خاصة فى مناطق الألعاب المفتوحة، كما أن توزيع الألوان لم يكن عشوائيًا، بل يعكس تقسيمات وظيفية مرتبطة بطبيعة النشاط داخل كل نطاق.
وفى خلفية المشهد، يظهر مبنى الألعاب الإلكترونية بوصفه نقطة تحول داخل النسيج العام للمنطقة، إذ يضيف بُعدًا تقنيًا ترفيهيًا مكملًا للمساحات المفتوحة، إلى جانب الأكشاك الخدمية والمطاعم المتنقلة التى تم توزيعها بشكل يضمن خدمة الحركة المستمرة للزوار دون خلق نقاط اختناق أو تكدس فى «منطقة المغامرة».
«تلة الحفائر».. موقع منسى من رائحة عمرو بن العاص
تعد منطقة تلة الحفائر داخل مشروع حدائق تلال الفسطاط واحدة من أكثر المكونات حساسية وأهمية من الناحية التاريخية والأثرية، إذ ترتبط مباشرة بطبقات مدينة الفسطاط القديمة، أول عاصمة إسلامية لمصر، التى نشأت عقب دخول جيش عمرو بن العاص فى القرن السابع الميلادى، وما تبع ذلك من تأسيس نواة العمران الأول الذى شكّل لاحقًا أساس تطور القاهرة عبر العصور.
هذه المنطقة كانت لسنوات طويلة مهملة ومغطاة بطبقات من التراكمات والتداخلات العمرانية غير المنظمة، قبل أن تعود اليوم إلى واجهة الاهتمام ضمن مشروع تطوير شامل يستهدف إعادة إحياء الذاكرة المكانية للموقع.
وتضم «تلة الحفائر» بقايا ومكتشفات أثرية مرتبطة بمراحل متعددة من تاريخ الفسطاط، تشمل شواهد عمرانية ومكونات من طبقات الاستيطان الأولى، ما يجعلها سجلًا مفتوحًا يعكس بدايات التكوين الحضرى للعاصمة الإسلامية الأولى فى مصر.
وفى إطار المشروع، تم إنشاء متحف مجاور لمنطقة الحفائر ليضم ويعرض جزءًا من هذه المقتنيات المكتشفة، ما يتيح تقديمها فى سياق علمى وسياحى متكامل، مع ربطها المباشر بموقعها الأصلى، بحيث لا تُنزع من بيئتها التاريخية، بل تُعرض كامتداد لها.
كما تشهد المنطقة أعمال حفائر وترميم مستمرة تتم وفق ضوابط أثرية دقيقة، بهدف الحفاظ على الطبقات التاريخية دون إتلافها، مع إعادة تأهيل الموقع ليكون جزءًا من منظومة الزيارة داخل المشروع، وليس مجرد موقع مغلق أو معزول.
وهذا التحول نقل منطقة الحفائر من كونها مساحة منسية على أطراف القاهرة التاريخية إلى عنصر رئيسى داخل مشروع حدائق تلال الفسطاط، لتصبح شاهدًا حيًا على إعادة اكتشاف الفسطاط القديمة وإدماجها داخل رؤية عمرانية حديثة تعيد وصل الحاضر بجذوره التاريخية.
نهر صناعى مع «شلالات مائية» و«برج أيقونى»
تواصلت الجولة داخل مسارات تربط بين المناطق المرتفعة والمنخفضة، حيث يتضح أن التصميم العام يعتمد على الدمج بين الطبيعة والتدخل الهندسى، مع الحفاظ على الطابع البصرى المفتوح الذى يسمح برؤية امتداد المشروع بالكامل من نقاط متعددة.
وفيما يتعلق بالنهر الصناعى، أوضحت المهندسة مها أنه يمتد من بداية المنطقة الاستثمارية من عند بحيرة عين الحياة، حتى محيط جامع عمرو، ويخترق المشروع بالكامل، ليشكل عنصرًا بصريًا وحركيًا داخل الحديقة، مع وجود مناطق مشاهدة على جانبيه، وهو ما لم يتشكل بسهولة.
وأشارت إلى وجود شلالات مائية ضمن مسار النهر، يتم تشغيلها ضمن منظومة متكاملة من التغذية والتحكم، ما يضيف بعدًا بصريًا وحركيًا للموقع.
واستمرت الجولة باتجاه منطقة التلال، حيث يمكن رؤية الامتداد الكامل للمشروع، ما يشمل المناطق الاستثمارية والثقافية والترفيهية، فى مشهد واحد يعكس حجم الأعمال المنفذة وتداخل عناصر التصميم. وخلال الحديث، تم التوقف عند البرج الأيقونى الذى تم وصفه بأنه «رمز للمكان».
ومن التحديات المهمة هنا، أن التربة نفسها رغم ما يظهر على السطح من خضرة وزراعة، إلا أن الأساس فى بعض المناطق كان ما زال يحتوى على مخلفات مدفونة، ما تطلب معالجة دقيقة جدًا قبل أى أعمال زراعية. ومع ذلك، تم التعامل مع الأمر بأسلوب علمى، عبر وضع طبقات إحلال وعزل بين التربة الصالحة وما تحتها، ما يضمن استقرار الزراعة على المدى الطويل.
وبالتوازى مع ذلك، جاءت مرحلة التشجير والزراعة، التى اعتُبرت واحدة من أهم مراحل المشروع وأكثرها حساسية، حيث تم اختيار أنواع نباتات بعناية شديدة، بعضها نادر، وبعضها مهدد بالاختفاء، وتم توزيعها داخل قطاعات مختلفة، بحيث يكون لكل منطقة طابع نباتى خاص بها.
فهناك مناطق مخصصة لنباتات البحر المتوسط، وأخرى للنخيل بأنواعه المختلفة، ومناطق أخرى للنباتات النادرة، مع وجود نظام توثيق لكل نبات داخل الحديقة، بحيث يكون له «كارت تعريف» يوضح نوعه وخصائصه واحتياجاته البيئية، وكأنك داخل متحف نباتى مفتوح، حسبما وصفت لنا المهندسة مها مدحت مدير عام المشروع.
وحدات فندقية ومناطق للأنشطة الرياضية والحفلات والفعاليات الكبرى
مع قرب انتهاء جولتنا داخل كل مكونات المشروع، التقينا اللواء بدر ندا، رئيس جهاز تعمير القاهرة، الذى أكد فى بداية حديثه معنا أن ما جرى فى الموقع لا يمكن النظر إليه كمجرد تطوير عمرانى تقليدى، بل معالجة جذرية لمنطقة كانت تمثل بؤرة تدهور اجتماعى وبيئى ممتدة لسنوات طويلة داخل قلب القاهرة، مشيرًا إلى أن تحويل هذه المنطقة إلى متنزه عام يمثل تحولًا نوعيًا فى طبيعة استخدام الأرض.
وأوضح اللواء بدر أن فلسفة المشروعات الحديثة لم تعد تعتمد على إنشاء حدائق تستهلك التمويل دون عائد، بل على تحويلها إلى كيانات قادرة على تغطية تكاليف تشغيلها ذاتيًا، بل وتحقيق عوائد تشغيلية من خلال أنشطة متعددة داخل المشروع.
وفى هذا الإطار، أشار إلى أن المشروع يضم مكونات سياحية وتجارية وترفيهية متكاملة، تشمل وحدات فندقية، وشققًا فندقية، ومطاعم، ومناطق للأنشطة الرياضية، إلى جانب مناطق للحفلات والفعاليات، ما يخلق منظومة اقتصادية متكاملة داخل الموقع.
وأضاف أن المشروع تم تصميمه ليحقق تكاملًا بين أربعة محاور رئيسية: السياحى، والاجتماعى، والثقافى، والاستثمارى، بحيث لا يعمل كل محور بمعزل عن الآخر، بل ضمن منظومة واحدة تحقق الاستدامة التشغيلية للموقع.
وفيما يتعلق بالمكون الثقافى، أوضح أن المشروع يتضمن منطقة مخصصة لعرض المقتنيات والقطع الأثرية فى إطار مخزن متحفى مفتوح للرؤية، يسمح للزائر بالتجول ومتابعة محتوى العرض المتحفى بطريقة تفاعلية، إلى جانب الربط المباشر مع منطقة الحفائر.
وأشار إلى أن منطقة الحفائر تمثل أحد أهم المكونات التاريخية داخل المشروع، حيث تمثل سجلًا تاريخيًا مفتوحًا يضم بقايا عمران قديم، وممرات، ودلالات أثرية مرتبطة بفترة التأسيس الأولى للقاهرة الإسلامية، ويتم التعامل معها وفق رؤية توازن بين الحفاظ الأثرى والتوظيف السياحى. وشدد على أن المشروع يرتبط برؤية استراتيجية أوسع لتطوير القاهرة التاريخية، وإعادة ربطها بمحاور الحركة الحديثة، من خلال محاور مرورية جديدة وتطويرات كبرى فى شبكة الطرق، من بينها محور صلاح سالم الجديد، ما يسهل الوصول إلى المنطقة من مختلف الاتجاهات، سواء من المطار أو من قلب القاهرة أو من مناطق المتاحف والكنائس والمعابد التاريخية.
وأضاف أن التخطيط العام للمشروع تم فى إطار رؤية الدولة للتنمية العمرانية حتى عام ٢٠٥٢، التى تستهدف إعادة توزيع الكثافات، وربط المناطق التاريخية بالمشروعات الحديثة، وخلق مسار سياحى متكامل يربط بين القلعة، والمتحف، والفسطاط، ومجمع الأديان.
وأشار إلى أن حجم المشروع الذى يتخطى مساحة ٥٠٠ فدان، أى ما يوازى أكثر من مليونى متر مربع وتعقيد مكوناته يجعله من المشروعات غير التقليدية، حيث تم العمل على أرض كانت تمثل تراكمات بيئية وتاريخية معقدة، ما استلزم عمليات إحلال وتسوية وتشكيل وتطوير للبنية التحتية قبل الوصول إلى الصورة الحالية.
وفى ختام حديثه، أكد أن ما تم تنفيذه يمثل خطوة ضمن مسار طويل لإعادة إحياء منطقة الفسطاط، وتحويلها إلى مقصد حضارى وسياحى مفتوح، يعكس الهوية التاريخية للقاهرة، ويعيد دمجها فى خريطة التنمية الحديثة للدولة.














0 تعليق