عالمية الإسلام والقضايا المعاصرة ومفهوم التجديد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 03:29 م 4/28/2026 3:29:04 PM

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتداخل فيه التحديات، يبرز السؤال عن كيفية دراسة الدين الإسلامي بوصفه سؤالًا مصيريًا، لا يتعلق بالماضي بقدر ما يتصل بالحاضر والمستقبل. فالدين الذي نزل ليهدي الإنسان ويعمر به الأرض، لا يمكن أن يُختزل في كونه سجلًا تاريخيًا أو ساحةً لإعادة إنتاج الخلافات القديمة. لقد انشغل المسلمون طويلًا بالنبش في تفاصيل الماضي، وبالغوا في استحضار خلافات فقهية نشأت في سياقات مغايرة، حتى تحوّل هذا الانشغال عند بعضهم إلى عائقٍ يحجب عنهم القدرة على مواجهة واقعهم، ويبدد طاقتهم في جدالات لا تُسهم في حل مشكلاتهم، غير أن الإشكال لا يكمن في التاريخ ذاته، ولا في الفقه بوصفه جهدًا بشريًا لفهم النص، بل في طريقة التعامل معهما. حين يصبح التاريخ سجنًا للعقل، ويتحول الفقه إلى قيدٍ على الحركة بدل أن يكون وسيلة لتنظيم الحياة، فإننا نكون قد ابتعدنا عن جوهر الرسالة. فالإسلام في أصله دعوة إلى التفكير، وإلى تحقيق العدل، وإلى بناء الإنسان والمجتمع، لا إلى إعادة إنتاج صراعات مضت وانقضت.
إن الدراسة المعاصرة للدين ينبغي أن تبدأ من إعادة ترتيب الأولويات، بالانتقال من التركيز على الجزئيات الخلافية إلى استحضار المقاصد الكبرى التي جاء بها الدين: العدل، والرحمة، والكرامة الإنسانية، وحفظ النفس والعقل، وبناء مجتمع متماسك. هذه المقاصد ليست شعارات نظرية، بل هي معايير عملية يمكن من خلالها تقييم أي فهم ديني: هل يسهم في حل مشكلات الناس؟ هل يخفف معاناتهم؟ هل يعزز وحدتهم أم يغذي انقسامهم؟؟
وفي هذا الإطار، تبرز القراءة المقاصدية كمدخل أساسي لفهم الدين في سياقه الحي. فهي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تتجاوزها إلى إدراك الغايات التي شُرعت من أجلها. وبهذا الفهم، يصبح الدين منظومة مرنة قادرة على التفاعل مع الواقع، لا بنية جامدة تعجز عن مواكبة تغيراته. فالثابت هو النص، أما الفهم فهو متجدد، يتغير بتغير الزمان والمكان، ويتأثر بحاجات الناس وتحدياتهم.
وإذا أردنا أن نستضيء بنموذجٍ أصيل في هذا الاتجاه، فإن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تقدّم رؤية عميقة في ربط الدين بحياة الإنسان. فقد أكدوا في أقوالهم وسيرتهم أن الدين رحمة قبل أن يكون حكمًا، وأن غايته الأولى هي إصلاح الإنسان وخدمة المجتمع. ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، حيث تصبح الرحمة معيارًا حاكمًا لأي فهم ديني. فكل اجتهاد لا يحقق الرحمة، ولا يسهم في رفع الظلم، ولا يخفف عن الناس أعباءهم، هو اجتهاد بحاجة إلى مراجعة.
وقد عبّر أئمة أهل البيت عن هذه الرؤية في كلماتٍ موجزة عميقة الدلالة، ترسم ملامح دينٍ فاعلٍ في الواقع
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:.إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَه.
وقال:مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ.
وقال: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها.
وهو دليل على استمرار العمل حتى آخر لحظة.
وقال: مَن أحيَا أرضًا ميتةً فله بها أجرٌ.
. قال الإمام علي عليه السلام: الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
وقال: “قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه”، موجّهًا الإنسان إلى أن معيار التفاضل هو الإحسان والعمل النافع، لا الجدل والانشغال بما لا يُثمر. ويقول أيضًا: “كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم”، في دعوةٍ إلى أن يكون السلوك الحسن هو اللغة الأبلغ للدين، بدل الاكتفاء بالشعارات أو الدخول في نزاعاتٍ لا تنعكس على حياة الناس.
وفي عهده لمالك الأشتر، يوصي عليه السلام قائلًا: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم”، واضعًا الرحمة في قلب العمل الاجتماعي والسياسي، ومؤكدًا أن خدمة الناس هي جوهر المسؤولية، وهو ما ينسجم بوضوح مع المعنى القرآني للرحمة العالمية.
ومن أقوال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا”، وهي دعوة إلى تجسيد القيم في الواقع العملي، بحيث يكون الإنسان انعكاسًا حيًا لأخلاق الدين، لا سببًا في تشويهه عبر التعصب أو سوء السلوك. كما يقول: “ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه”، مؤكدًا التوازن بين متطلبات الحياة الروحية والعملية، ورافضًا أي فهمٍ يدعو إلى الانفصال عن الواقع أو إهماله.
وعن الإمام الحسن عليه السلام قوله: “خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم”، وهي دعوة إلى بناء علاقات إنسانية قائمة على الرحمة والتسامح، بعيدًا عن الانغلاق والتنافر، بما يعزز وحدة المجتمع بدل تمزقه.
هذه الأقوال لا تمثل مجرد حكمٍ أخلاقية، بل تعكس منهجًا متكاملًا في فهم الدين بوصفه طاقة بناءٍ وإصلاح، وتدعم فكرة أن النص ينبغي أن يُفهم في ضوء مقاصده، وأن الدين ينبغي أن يكون حاضرًا في حياة الناس، يعالج مشكلاتهم، ويواكب تحولاتهم.
ومن هنا، تتعاظم مسؤولية المؤسسة الدينية ورجال الدين في عصرنا. فدورهم لا ينبغي أن يقتصر على نقل أقوال السابقين أو إعادة تدوير خلافاتهم، بل يتطلب منهم قراءة واعية للتراث في ضوء تحديات الحاضر. إن المجتمعات اليوم تواجه قضايا معقدة: الفقر، والبطالة، والجهل، والتفكك الاجتماعي، والأزمات الأخلاقية، وهذه القضايا أولى بأن تكون محور الخطاب الديني من الانشغال بمسائل خلافية نشأت في بيئات مغايرة ولم تعد تمس حياة الناس بشكل مباشر.
إن تطوير الخطاب الديني يعني الانتقال من الجدل إلى العمل، ومن استحضار الخلاف إلى إنتاج الحلول. يعني أن يصبح المنبر الديني مساحة لبث الأمل، وتعزيز القيم، وتوجيه الطاقات نحو البناء، بدل أن يكون ساحة لتغذية الانقسام. فالدين الذي يلامس حياة الناس اليومية، ويعالج مشكلاتهم الواقعية، هو الدين القادر على الاستمرار والتأثير.
وفي هذا السياق، تأتي دلالة قوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يفعلون﴾. إنها دعوة إلى التحرر من الارتهان للماضي دون القطيعة معه، وإلى إدراك أن لكل زمنٍ تحدياته الخاصة. فالسابقون اجتهدوا لواقعهم، ونحن مطالبون بأن نجتهد لواقعنا، مستنيرين بتجاربهم دون أن نكون أسرى لها. إن استحضار الماضي ينبغي أن يكون للاستفادة والاعتبار، لا للاستنساخ والتكرار.
وعليه، فإن إعادة بناء العلاقة مع الدين تقتضي أن نراه مشروعًا إنسانيًا حيًا، ينطلق من ثوابته، لكنه ينفتح على متغيرات الحياة. مشروعًا يهدف إلى خدمة الإنسان، وتحقيق كرامته، وبناء مجتمعٍ تسوده العدالة والرحمة. وعندها فقط، يمكن أن يستعيد الدين دوره الحقيقي كقوة إصلاح وبناء، لا كأداة صراع وانقسام، وأن يتحقق المعنى العميق للرسالة التي جاءت رحمةً للعالمين، رحمةً تُداوي جراح الواقع، وتفتح آفاق المستقبل، وتعيد للإنسان ثقته بأن الدين ليس عبئًا على حياته، بل نورًا يهديه في دروبها.
وهنا فولي الأمر يعد المسؤول الأول بمعاونة رجال الدين والعلم والفكر في تسخير هذه المفاهيم السامية للدين في خدمة الإنسان وإيجاد الحلول الطارئة على واقعنا المعاصر مما يؤكد صلاحية التشريع الإلهي لكل زمان ومكان.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق