«التراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة»، عنوان كتاب فى غاية الأهمية صدرت طبعته الإنجليزية سنة ١٩٥٤، وصدرت طبعته العربية بترجمة رائعة لشوقى جلال سنة ١٩٩٦، وأتاحته مؤسسة هنداوى قبل ثلاثة أعوام مجانًا على الإنترنت، مؤلفه جورج جى إم جيمس، كاتب ومفكِر ومؤرِخ أمريكى ولد فى ولاية جورج تاون فى الولايات المتحدة عام ١٨٩٣، وحصل على درجة البكالوريوس ثم درجة الماجستير من جامعة دورهام فى إنجلترا، وعلى الدكتوراه من جامعة كولومبيا فى نيويورك، وعمل أستاذًا للفلسفة اليونانية فى عدد من الجامعات الغربية، ألَّف عددًا من الكتب أشهرها الكتاب الذى بين أيدينا، والذى أثار جدلًا واسعًا فى الأوساط الأكاديمية الغربية، بسبب إثارته قضية أصل الفلسفة اليونانية واعتبارها مسروقة من الفلسفة المصرية القديمة.
أوضح المؤلف الذى رحل سنة ١٩٥٦ أن مصطلح الفلسفة اليونانية أو الإغريقية تسمية خاطئة، حيث لا وجود لفلسفة لها هذه الخصوصية، لقد استحدث المصريون القدماء مذهبًا دينيًا شديد التعقيد سمى نظام الأسرار، والذى كان أيضًا أول مذهب عن الخلاص.
ويرى هذا المذهب أن جسد الإنسان سجن النفس التى يمكن لها أن تتحرر من قيودها البدنية، وذلك عن طريق التمرس على فروع المعرفة، من فنون وعلوم، ترتقى وتسمو من مستوى الوجود الفانى إلى مستوى إلهى خالد، وكان هذا هو مفهوم الخير الأسمى الذى يتعين على جميع الناس أن ينشدوه وأن يطمحوا إليه، كما أصبح أساسًا لجميع المفاهيم الأخلاقية.
وكان نظام الأسرار المصرى نظامًا يتوخى السرية، كما كانت العضوية فيه رهن المبادرة الشخصية والتعهد بالحفاظ على السرية، ويتلقى المؤمن أو المريد المبتدئ التعاليم شفاهة، وتتدرج هذه التعاليم وفق مراتب متصاعدة، وطور المصريون فى ظل ظروف السرية والتكتم هذه نظمًا سرية للكتابة والتعليم، وحظروا على أعضائها تدوين ما يتلقونه، وبعد الحظر الذى فرضه المصريون قرابة خمسة آلاف سنة على دخول الإغريق مصر سمحوا لهم بدخولها بغرض تلقى العلم، واستطاع اليونانيون الدخول لأول مرة عن طريق الغزو الفارسى لمصر، ثم عن طريق غزو الإسكندر الأكبر.
ومن ثم فإن اليونانيين القدماء، منذ القرن السادس ق.م وحتى موت أرسطو «٣٢٢ ق.م» استثمروا إلى أقصى حد الفرصة التى أتيحت لهم لتعلُّم كل ما يستطيعون تعلُّمه من الثقافة المصرية، وتلقَّى غالبية التلاميذ تعاليمهم مباشرة من الكهنة المصريين.
إن الفلسفة اليونانية أشبه بنوعٍ من الدراما، أبطالها الإسكندر الأكبر ومعه أرسطو وخلفاؤه، والإمبراطور الرومانى جوستنيان. غزا الإسكندر الأكبر مصر، واغتصب المكتبة الملكية فى الإسكندرية ونهبها، واصطنع أرسطو مكتبة لنفسه من الكتب المنهوبة، بينما شغلت مدرسته المبنى واتخذته مركزًا للبحث، وبعد ذلك ألغى جوستنيان الإمبراطور الرومانى، المعابد والمدارس المختصة بالفلسفة، وهو اسم آخر لنظام الأسرار المصرى الذى زعم اليونانيون القدماء بأنه إنتاجهم، وأنهم هم أصحابه، وبفضله تلقوا زيفًا وبهتانًا الثناء والتكريم من العالم على مدى قرون طويلة باعتبارهم أعظم المفكرين والفلاسفة.
إن أصحاب هذا الإسهام الحضارى هم حقًا وصدقًا المصريون، وليسوا الأوروبيين والقارة الأوروبية، يقارن الكتاب بين التعاليم المنسوبة لليونان وبين نظام الأسرار المصرى، يعرض مفهوم الخلاص وتحرير النفس من قيود الجسد كما ورد فى العقيدة المصرية، ويقابله بمفهوم الخير الأسمى وخلود النفس فى الفلسفة اليونانية، يتتبع التشابه فى بنية الفضائل، وفى فكرة التدرج المعرفى، وفى الربط بين المعرفة والتزكية الروحية.
كما يسلط الضوء على الطابع المؤسسى لنظام الأسرار، حيث كانت المعابد مراكز تعليمية ذات مراتب محددة ومناهج متكاملة، ويرى أن المدارس الفلسفية اليونانية تمثل صورة مبسطة عن هذا النظام الأقدم، نقطة أخرى لها أهمية كبرى.
قال جورج جى إم جيمس إنه ينبغى وضعها فى الاعتبار، وهى موقف حكومة أثينا تجاه ما يسمى الفلسفة اليونانية، والتى اعتادت أن تنظر إليها باعتبارها فلسفة أجنبية المنشأ، وتعاملت معها على هذا الأساس، ونحن لسنا بحاجة سوى إلى دراسة موجزة للتاريخ تبين لنا أن فلاسفة اليونان كانوا مواطنين غير مرغوب فيهم، وأنهم كانوا طوال فترة بحوثهم ضحايا اضطهاد شرس على أيدى السلطة الحاكمة فى أثينا.
فها هو أناكساجوراس أودعته السلطات السجن ثم نفته، وتم إعدام سقراط وبِيع أفلاطون فى سوق النخاسة، وقدم أرسطو للمحاكمة ثم نُفى، أما أسبقهم جميعًا، وهو فيثاغورس «الذى تعلم الرياضيات فى مصر»، فقد طردته السلطات، وأبعدته من كروتون إلى إيطاليا، هل نتخيل بعد ذلك أن اليونانيين القدماء تحولوا فجأة، وزعموا أنهم أصحاب ذات التعاليم التى اضطهدوها أول الأمر ونبذوها صراحة؟
إنهم كانوا يعرفون أنهم يعمدون إلى نهب ما ليس لهم، وما لم ينتجوه، الكتاب الذى صدر فى جزءين ينتهى بعد بحث متشعب فى كل الاتجاهات إلى نتيجة محددة مفادها بأن فلاسفة اليونان لم يكونوا أصحاب الفلسفة اليونانية، وإنما أصحابها هم الكهنة المصريون وشراح النصوص المقدسة والرموز السرية. ويرى المؤلف أن إعادة قراءة تاريخ الفلسفة ضرورة أخلاقية وثقافية، لأنها تعيد التوازن إلى صورة الحضارة الإنسانية، يقترح تبنى فلسفة تحريرية تعترف بالدور المصرى والإفريقى فى تشكيل الفكر العالمى، معتبرًا أن تصحيح السردية يسهم فى بناء وعى أكثر عدالة، وبذلك يتحول البحث التاريخى إلى أداة إصلاح ثقافى.














0 تعليق