في قلب القاهرة، حيث تتقاطع الفنون مع الوجدان، تواصل دار الأوبرا المصرية أداء دورها كمنارة ثقافية لا تكتفي بعرض الإبداع، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الحس الجمالي والوعي الجمعي عبر فعاليات متنوعة تجمع بين التشكيل والسينما والإنشاد، ثلاثة أحداث متتابعة تكشف عن ملامح هذا الحراك، وتؤكد أن الأوبرا ليست مجرد مسارح للعروض، بل فضاء حيّ للتأمل والتفاعل.
البداية مع معرض «زهور مصر» الذي تحتضنه قاعة صلاح طاهر، حيث تقدم جمعية المحافظة على التراث تجربة بصرية ثرية تنبض بالحياة.
المعرض، الذي يضم نحو 75 عملًا فنيًا لأكثر من 20 فنانًا وفنانة، لا يتوقف عند حدود الموضوع، بل ينفتح على تنوع لافت في التقنيات بين الرسم والتصوير والنحت والجرافيك، هنا، لا تعرض «الزهور» بوصفها عناصر طبيعية فحسب، بل كرموز للحياة والهوية، تتعدد قراءاتها بتعدد المدارس والاتجاهات الفنية، ويأتي هذا المعرض في سياق سعي الأوبرا إلى ترسيخ قيم الجمال وإبراز الفنون الجادة كأحد أدوات بناء الوعي.
وفي مسار موازٍ، يأخذنا نادي سينما الأوبرا إلى عالم المخرج الكبير شادي عبد السلام، عبر عرض ثلاثية «الطريق إلى الله» على المسرح الصغير، العمل، الذي يعد آخر مشروعاته الفنية، يتجاوز حدود السينما التسجيلية ليطرح تأملًا فلسفيًا عميقًا في علاقة الإنسان المصري بالروح والمعنى.
تتكون الثلاثية من أفلام «الحصن» و«الدنداراوية» و«مأساة البيت الكبير – أخناتون»، حيث تتجلى محاولة فنية لاستعادة مصر القديمة سينمائيًا، ليس بوصفها تاريخًا جامدًا، بل كرحلة مستمرة للبحث عن الحقيقة والسمو الروحي.
ورغم أن المشروع لم يكتمل في حياة مخرجه، فإن تلميذه الدكتور مجدي عبد الرحمن تولى استكماله مستندًا إلى مشاهد مصورة وأوراق تركها الراحل، لتبقى الثلاثية شاهدًا على حلم فني لم ينطفئ، ويعقب العرض ندوة نقدية يديرها الناقد عصام زكريا، تفتح باب الحوار مع الجمهور حول أبعاد العمل ودلالاته.
أما ختام هذه الرحلة الفنية، فيأتي بنغمة روحانية خالصة، من خلال أمسية لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية، الفرقة التي أسسها الموسيقار عبد الحليم نويرة، تقدم مختارات من الأناشيد والابتهالات التي تمزج بين الصفاء الروحي وجمال الأداء، مثل «أسماء الله الحسنى» و«المسك فاح» و«النبي صلوا عليه»، وتواصل الفرقة، منذ تأسيسها، دورها في الحفاظ على التراث الغنائي الديني، وتقديمه بروح معاصرة، مع دعم الأصوات الشابة وصقلها.
وتبدو دار الأوبرا المصرية وكأنها تنسج خيوط تجربة ثقافية متكاملة، تمتد من العين إلى العقل ثم إلى القلب، حيث الفن ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية تعيد للروح توازنها، وللمجتمع قدرته على الحلم.












0 تعليق