نحسب الدخان ونتجاهل الكارثة..
حين تشتعل مصفاة نفط في الخليج، يسارع العالم إلى حساب أطنان ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من ألسنة اللهب. هذا الرقم يُسجَّل، ويُبلَّغ عنه، ويدخل في جداول المحاسبة البيئية الدولية. لكنّ ما لا يُحسب هو الأثقل وزنًا: الأمراض التنفسية التي ستحصد أرواحًا على امتداد عقود في المدن الواقعة تحت الريح، وانهيار النظم البحرية من التلوث النفطي، وتبديد عقود من الاستثمار في التحول نحو الطاقة النظيفة، والكربون المحتجز في الإسمنت والحديد اللازمين لإعادة بناء ما دُمِّر.
بعبارة أوضح: محاسبة الكربون وحدها بالنسبة للكلفة الحقيقية للحرب أشبه بميزان حرارة في بيت يحترق. يقيس عَرَضًا واحدًا ويتجاهل الدمار البنيوي كله.
هذا ليس تقديرًا انطباعيًا. إطار بحثي جديد يحمل اسم "الكلفة المناخية-الصحية الشاملة للنزاع المسلح" طبّقتُه على حربين جاريتين تمثّلان نموذجين مختلفين تمامًا: حرب أوكرانيا البرّية التي دخلت عامها الثالث، وحرب الخليج على البنية التحتية النفطية التي لم تتجاوز خمسة أسابيع. النتيجة التي أسفرت عنها عشرة آلاف محاكاة حاسوبية باستخدام طريقة مونت كارلو صادمة في وضوحها: الكلفة الحقيقية للحرب تتجاوز ما يُحسب بالكربون وحده بمُضاعِف يتراوح بين عشرة أضعاف وستة عشر ضعفًا في حروب البنية التحتية النفطية، وبين ضعفين ونصف وثلاثة أضعاف ونصف في الحروب البرّية التقليدية.
حربان.. وبنيتان مختلفتان للكلفة
في أوكرانيا، أنتجت ثلاث سنوات من الحرب البرّية انبعاثات كربونية تُقدَّر بنحو 175 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم رصده فريق الجيوعلماء الدوليين لتحليل الحرب. لكنّ الإطار الجديد الذي أقترحه يضيف أربع طبقات فوق هذا الحساب الكربوني: كلفة الأعباء الصحية الناجمة عن التعرض البيئي، وخسائر خدمات النظم الإيكولوجية المدمَّرة من غابات وأراضٍ رطبة وكربون أزرق، وكلفة انتكاس الحوكمة المناخية، ودَين الكربون المتجسّد في مواد إعادة الإعمار.
حين تُجمع هذه الطبقات الخمس معًا، ترتفع كلفة حرب أوكرانيا من 43.8 مليار دولار بحساب الكربون وحده إلى ما بين 105 و151 مليار دولار. أي أنّ كلّ دولار يُحسب في فاتورة الكربون يقابله دولار وأربعون سنتًا إلى دولاران وأربعون سنتًا لا يُحسبان أصلًا. والطبقة المهيمنة في الحالة الأوكرانية هي خسائر النظم الإيكولوجية، إذ تُشكّل 37% من الكلفة الإجمالية، لأنّ الحرب البرّية تدمّر فعليًا الأرض ذاتها: غاباتها ومستنقعاتها وأراضيها الزراعية والكربون الذي تختزنه.
لكنّ بنية الكلفة في حرب الخليج مختلفة جذريًا، وهنا المفارقة الأخطر.
في خمسة أسابيع فقط من ضرب البنية التحتية النفطية في الخليج، بلغت الكلفة الكربونية المباشرة ما بين 2.2 و3.3 مليارات دولار. رقم يبدو متواضعًا مقارنة بأوكرانيا. غير أنّ الكلفة الشاملة تقفز إلى ما بين 22 و52 مليار دولار. الكربون لا يمثّل سوى أقلّ من 10% من الفاتورة الحقيقية. والطبقة المهيمنة هنا ليست النظم الإيكولوجية بل انتكاس الحوكمة المناخية بنسبة 38%: تراجع دول الخليج القسري عن مسارات التحول إلى الطاقة المتجددة، وتحويل تمويل المناخ إلى الاستجابة الطارئة، وتعليق الخطط المناخية الوطنية، وتدمير القدرات المؤسسية التي بُنيت على مدى عقود.
بعبارة أخرى: حروب البنية التحتية النفطية لا تطلق الكربون فحسب، بل تُفكّك البنية الحوكمية التي صُمِّمت لمنع الانبعاثات المستقبلية. الحرب التي تبدو الأرخص في حساب الكربون هي في الواقع الأغلى ثمنًا حين تُحسب الكلفة كاملة.
وثمة رقم آخر يستحقّ التوقف عنده: معدّل تراكم الكلفة. حرب الخليج تُولّد ما بين 4.7 و11.3 مليار دولار أسبوعيًا من الكلفة الشاملة، مقابل 0.7 إلى مليار دولار أسبوعيًا في أوكرانيا. أي أنّ كلّ أسبوع من حرب البنية التحتية النفطية يعادل في كلفته الحقيقية ما بين سبعة واثني عشر أسبوعًا من الحرب البرّية.
ما الذي يعنيه هذا عمليًا؟
أولًا، ميزانيات إعادة الإعمار مبنية على وهم. منهجيات تقييم الأضرار المعتمدة دوليًا، بما فيها تقييم البنك الدولي السريع للأضرار والاحتياجات، ترصد الدمار المادي والخسائر الاقتصادية المباشرة، لكنها لا تدمج بشكل منهجي الأعباء الصحية البيئية طويلة الأمد ولا كلفة انتكاس الحوكمة المناخية. إذا رُسمت ميزانية إعمار أوكرانيا على أساس الخسائر الكربونية وحدها، فإنّ المخصصات لن تغطي أكثر من %42
من الكلفة الفعلية. الفجوة ليست خطأ في التقريب، بل عجز بنيوي سيتجلّى في عواقب صحية غير ممولة لعقود قادمة.
ثانيًا، تقييم التناسب في القانون الدولي الإنساني يقوم على أرقام ناقصة. القانون الدولي الإنساني يحظر الهجمات على الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ويشترط تقييم التناسب بين الميزة العسكرية والضرر المدني. لكنّ هذا التقييم يعتمد على تقدير دقيق للكلفة. حين تُقيَّم الكلفة البيئية لتدمير محطة نفطية بانبعاثات الكربون وحدها، فإنّ حساب التناسب يُقلّل بشكل منهجي من حجم الضرر المدني الفعلي. إطار الكلفة الشاملة يوفّر محاسبة أكثر اكتمالًا يمكن أن تُثري التفسيرات المستقبلية للقانون الدولي الإنساني.
ثالثًا، الدول المتأثرة بالنزاعات مُستبعدة من تمويل المناخ رغم أنها الأكثر احتياجًا إليه. تحصل هذه الدول على أقلّ من 2% من التمويل العالمي للتكيف المناخي رغم تحمّلها أعباء مناخية غير متناسبة. الإطار الجديد يُحدّد ما يُفقد حين يعرقل النزاع العمل المناخي: انتكاس الحوكمة وحدها تمثّل 38% من كلفة حرب الخليج و15% من كلفة أوكرانيا. هذه ليست إخفاقات حوكمية مجردة، بل خسائر محددة وقابلة للقياس في القدرة على خفض الانبعاثات والبنية التحتية للتكيف والقدرات المؤسسية.
ما بعد الأرقام
ثمة سؤال مشروع: لماذا لم يُطوَّر هذا الإطار من قبل؟ الإجابة أنّ محاسبة الكربون أسهل. يمكن قياس الانبعاثات بالأقمار الصناعية وتقديرها من صور الحرائق. أما قياس انهيار نظام صحي أو تراجع خطة مناخية وطنية أو تدمير قدرة مؤسسية بُنيت على مدى عقدين، فيتطلب إطارًا أوسع بكثير وبيانات من خمسة حقول معرفية مختلفة: اقتصاديات البيئة، وعلم الأوبئة، والقانون الدولي الإنساني، وحوكمة المناخ، وتحليل دورة حياة المواد.
الإطار الذي أقدّمه ليس الكلمة الأخيرة. طبقة انتكاس الحوكمة المناخية هي الأكثر ابتكارًا والأقلّ تحققًا تجريبيًا، وتقديرات حرب الخليج تحمل هوامش عدم يقين أوسع لأنّ النزاع لا يزال في أسابيعه الأولى. لكنّ الاتجاه واضح بصرامة إحصائية: في عشرة آلاف محاكاة، لم تنزل الكلفة الشاملة مرة واحدة تحت ضعف الكلفة الكربونية. ولا مرة.
الرسالة للمفاوضين والمحاسبين والقضاة الدوليين واحدة: حين تحسبون كلفة الحرب، لا تتوقفوا عند الدخان. الدخان هو أقلّ ما في الحريق.
- د/أسامة علي ماهر - أستاذ باحث، جامعة الأمم المتحدة ـ المعهد الدولي لموارد المياه والبيئة والصحة















0 تعليق