أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين سيجتمعون على الأرجح الأحد القادم، ويتوقع أن يتوصلوا إلى اتفاق نهائي لإنهاء الحرب، فيما صرح العديد من المسئولين الأمريكيين ومصادر أخرى مطلعة على المفاوضات، أنه على الرغم من إحراز تقدم كبير، وأن الولايات المتحدة وإيران تقتربان الآن من وضع خطة سلام من ثلاث صفحات، إلا أن هناك فجوات لا تزال قائمة بشأن قضايا حاسمة.. إلا أنه من الواضح أن ترامب، الذي زعم أنه تحدث شخصيًا مع الإيرانيين في الأيام الأخيرة، يشعر بالتفاؤل، (الإيرانيون يريدون الاجتماع. يريدون التوصل إلى اتفاق.. أعتقد أن الاجتماع سيعقد على الأرجح خلال عطلة نهاية الأسبوع.. أعتقد أننا سنتوصل إلى اتفاق في غضون اليوم أو اليومين المقبلين).. هذا ما قاله ترامب، الذي أوضح أنه لن يرفع الحصار البحري على إيران، قبل التوصل إلى اتفاق، وأكد أنه يريد أن يكون مضيق هرمز مفتوحًا للجميع، وأنه ـ في نفس الوقت ـ يريد إنهاء الضربات الإسرائيلية على لبنان، كجزء من وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه يوم الخميس الماضي، (يجب على إسرائيل أن تتوقف.. لا يمكنهم الاستمرار في تفجير المباني.. لن أسمح بذلك).
تتفاوض الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب.. أحد العناصر قيد المناقشة، هي أن الولايات المتحدة ستفرج عن عشرين مليار دولار من الأموال الإيرانية المُجمدة، مقابل تخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم المُخصب.. وتتمثل إحدى الأولويات الرئيسية لإدارة ترامب، في ضمان عدم تمكن إيران من الوصول إلى مخزون ما يقرب من ألفي كيلو جرام من اليورانيوم المُخصب المدفون في منشآتها النووية تحت الأرض، وخصوصًا أربعمائة وخمسين كيلو جرامًا مُخصبة بنسبة نقاء 60٪.. ووفقًا لمصدرين، كانت الولايات المتحدة مستعدة في مرحلة سابقة من المفاوضات لتقديم ست مليارات دولار لإيران، لشراء الغذاء والدواء والإمدادات الإنسانية الأخرى، بينما طالب الإيرانيون بمبلغ سبعة وعشرين مليار دولار.. إلا أن آخر مبلغ تم تداوله بين الولايات المتحدة وإيران هو عشرين مليار دولار.. وقال مسئول أمريكي، إن هذا المبلغ يمثل اقتراحًا أمريكيًا.. بينما وصف مسئول أمريكي آخر فكرة الدفع مقابل اليورانيوم، بأنها (واحدة من بين العديد من المناقشات).
طلبت الولايات المتحدة من إيران الموافقة على شحن جميع موادها النووية إلى الولايات المتحدة، بينما وافق الإيرانيون فقط على (تخفيفها) داخل إيران.. وبموجب اقتراح تسوية قيد المناقشة حاليًا، سيتم شحن بعض اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة، وليس بالضرورة الولايات المتحدة، وسيتم تخفيف بعضه في إيران تحت المراقبة الدولية.. وطالبت الولايات المتحدة في الجولة الأخيرة من المحادثات إيران، بالموافقة على وقف التخصيب لمدة عشرين عامًا، بينما ردّت إيران بخمس سنوات.. ولا يزال الوسطاء يسعون لتضييق الفجوة.. وبموجب مذكرة التفاهم، سيُسمح لإيران بامتلاك مفاعلات بحثية نووية لإنتاج النظائر الطبية، لكنها ستتعهد بأن تكون جميع منشآتها النووية فوق سطح الأرض.. وستبقى المنشآت الموجودة تحت الأرض خارج الخدمة.. وتتناول مذكرة التفاهم أيضًا مضيق هرمز، على الرغم من أن المصادر قالت، إن هناك ثغرات كبيرة لا تزال قائمة بشأن هذه القضية.. ومن غير الواضح، ما إذا كانت مذكرة التفاهم تشير إلى الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعمها للوكلاء الإقليميين.. وقد سبق أن طالبت إسرائيل والصقور الجمهوريون في واشنطن، بأن تكون هذه المواضيع مطروحة على طاولة المفاوضات مع إيران.
وكما أعلن ترامب، فمن من المرجح أن يجتمع المفاوضون على الأرجح يوم الأحد، لجولة ثانية من المحادثات في إسلام آباد، لمحاولة لإبرام الاتفاق، التي تجري محادثاته بوساطة باكستان، وبدعم من وراء الكواليس من مصر وتركيا.. وقد شهد يوم أمس الجمعة، اجتماعًا (رباعيًا)، للوسطاء الباكستانيون والمصريون والأتراك، مع مسئولين سعوديين، على هامش منتدى دبلوماسي في تركيا.. وركز الاجتماع على الجهود المبذولة للتوسط في التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.. وصرح السيناتور ليندسي جراهام ـ الجمهوري من ولاية كارولاينا الجنوبية ـ بأن ترامب تفاوض وتحدث مباشرة مع الإيرانيين، وأن الأمور أصبحت (مرنة)، في مكالمة هاتفية جرت مؤخرًا.. بعدها، قال ترامب للصحفيين يوم الخميس الماضي، إن إيران وافقت خلال المفاوضات على الالتزام بـ (بيان قوي جدًا.. بأنهم لن يمتلكوا أسلحة نووية).. وقال أيضًا، إن إيران وافقت على منح الولايات المتحدة (الغبار النووي)، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصب، (نحن قريبون جدًا من إبرام صفقة.. إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فستعود الحرب.. أنا مستعد لتمديد وقف إطلاق النار، لما بعد تاريخ انتهائه في الحادي والعشرين من أبريل إذا لزم الأمر).
●●●
خلاصة ما سبق، أن إيران استوعبت صدمة الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على أراضيها، وصمدت في وجه العدوان عليها، وآلمت واشنطن، بقدر ما أوجعت إسرائيل، ووسعت من نطاق ردودها لتشمل دول الجوار الخليجي.. وهي الآن مدعوة إلى مفاوضات، لن تأتي على برنامجها النووي برمته، كما لم تأت عليه الضربات العسكرية، وهي في طريقها الآن إلى إفراج جزئي عن أموالها المُجمدة، وتُراهن على رفع العقوبات عنها، دونما التعرض لبرنامجها الصاروخي، ليبرز أمامنا السؤال المهم: لماذا لم ينهار النظام الإيراني، الذي راهنت عليه إسرائيل مع أولي الضربات العسكرية على طهران؟.
قبل بدء العدوان على إيران بنحو أربعين يومًا، وفي ظل الحديث عن رغبة واشنطن وتل أبيب إسقاط نظام الملالي الإيراني، فور الاغتيال الذي تم مع الساعات الأولى للهجوم على طهران، كتب سعيد جولكار، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية في مؤسسة جامعة كاليفورنيا، والمستشار الأول في منظمة متحدون ضد إيران النووية.. أنه مع انتشار الاحتجاجات مرة أخرى في المدن الإيرانية في الأسابيع الأخيرة ـ أي في يناير الماضي ـ طرح المراقبون سؤالًا مألوفًا: هل تقترب الجمهورية الإسلامية أخيرًا من الانهيار؟.. ارتفاع الأسعار، والانهيار الحر للعملة، والإضرابات العمالية، والتحدي العلني للسلطة الدنية، أدى إلى مستوى من الاضطرابات الذي كانت ستزعزع استقرار معظم الأنظمة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تكرار دورات الاحتجاجات الجماهيرية في إيران، بما في ذلك الموجة الأخيرة، إلا أنها فشلت في تحويل هذه الاحتجاجات إلى انقسام سياسي.. المشكلة ليست في نقص المعارضة الواسعة؛ أسفرت حملة قمع عنيف عن مقتل آلاف المحتجين.. القول إن النظام ليس غير شعبي للغاية، هو سوء فهم لكيفية عمل السلطة في طهران.. القضية المركزية ليست ما إذا كان الإيرانيون يريدون التغيير، بل لماذا لم تُمزق الاضطرابات المستمرة النظام حتى الآن.. والإجابة هي، أن الجمهورية الإسلامية بنيت بهذه الطريقة.. كانت الجمهورية الإسلامية تعمل، حتى ذلك اليوم، كنظام أمني ثيوقراطي مُنظم حول آية الله علي خامنئي وعائلته.. السلطة منظمة في دوائر متحدة المركز، مع وجود خامنئي وعائلته المباشرة في المركز.. السلطة شخصية للغاية، والبقاء السياسي يعتمد أقل على المؤسسات الرسمية وأكثر على القرب من المرشد الأعلى نفسه وأبنائه.
تميزت قيادة خامنئي بالصرامة والانضباط والإحساس العميق بالرسالة الشخصية.. يرى نفسه ليس مجرد سلطة سياسية، بل حارسًا أوكلت إليه مسئولية إلهية للحفاظ على الجمهورية الإسلامية.. وهو اعتقاد يترك مجالًا ضئيلًا للتردد أو التنازل أثناء الأزمات.. منذ توليه منصب القائد الأعلى في عام 1989، حول النظام تدريجيًا إلى دولة أمنية ثيوقراطية، تُفضل الإكراه على الموافقة الشعبية، معتمدة على جهاز قمعي مؤسسي وملتزم أيديولوجيًا.. هذه الحقيقة الهيكلية، أكثر من الرأي العام، تضع حدود التغيير السياسي في إيران اليوم، وتعكس قائدًا يضع بقاء النظام كواجب مقدس، بدلًا من خيار سياسي قابل للتفاوض.. وحول هذه النواة مباشرة مكتب القائد الأعلى، وهو أقوى وأقل المؤسسات وضوحًا في الجمهورية الإسلامية.. يعمل بيت خامنئي عمليًا كالسلطة التنفيذية الفعلية للنظام.. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تطورت إلى دولة موازية واسعة وغامضة، تقع فوق الدستور والبرلمان والرئاسة، يعمل بها آلاف من رجال الدين المخلصين ومسئولي الأمن والتقنيين الأيديولوجيين.. ويشكل بيت عملية اتخاذ القرار عبر المجالات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والقضائية والثقافية.
بدلًا من الحكم عبر قواعد غير شخصية أو ضوابط مؤسسية، يحكم خامنئي من خلال أفراد موثوقين متمركزين في أنحاء الدولة.. كما يعمل بيت القائد الأعلى، كقناة رئيسية تمارس من خلالها عائلة خامنئي، وخصوصًا أبنائه، نفوذهم، مما يحولها إلى مركز مؤسسي وعائلي للسلطة.. بيت ليس مجرد امتداد لسلطة خامنئي.. إنها الآلية التي تسمح لحكمه بالصمود، وامتصاص الصدمات، والعمل دون رؤية دائمة.
تحيط بالبيت شبكة دينية واسعة تمنح الشرعية الدينية للنظام.. من خلال المعاهد الدينية وقادة صلاة الجمعة والممثلين الإقليميين وكبار رجال الدين المتحالفين مع النظام.. تقدم سلطة خامنئي على أنها معتمدة إلهيًا.. يُصوَّر، ليس فقط كقائد سياسي، بل كممثل للإمام الخفي.. هذا الإطار اللاهوتي يحول الطاعة إلى واجب ديني، ويعيد صياغة القمع كضرورة أخلاقية بدلًا من اختيار سياسي.. تُعزز المؤسسات الدينية، مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور، هذه الشرعية المُقدسة، مع تأديب المعارضة داخل المؤسسة الدينية نفسها.
يُعبر عن هذا المنطق علنًا من قِبل كبار رجال الدين المدمجين في جهاز الأمن.. على سبيل المثال، قال حجة الإسلام علي سعيدي، الذي يقود مكتب الأيديولوجيا والسياسية للقوات المسلحة، إن الدفاع عن الحكومة الإسلامية يُبرر مقتل الآلاف، وأن حماية الدولة الإسلامية هو الهدف الأهم من بين جميع الالتزامات.. وفي هذا الإطار، لعبت المؤسسة الدينية أيضًا دورًا مركزيًا في تصنيف المحتجين بأنهم محاربين للإمام، وهو تصنيف يُقدس القمع دينيًا ويُشرعن العنف الشديد والفظائع ضد المعارضين.. هذا التصنيف، أكثر من الرأي العام، يحدد حدود التغيير الثوري في إيران اليوم.
خلف الطبقة الدينية، يكمن الحرس الثوري الإسلامي والجهاز الأمني الأوسع، الذي يُشكل الدرع القسري للنظام.. وقد أنشئ الحرس الثوري الإيراني للدفاع عن الجمهورية الإسلامية، وكانت مهمته الأساسية منذ عام 1979 حماية النظام: منع الانقلابات، وقمع المعارضة، وحماية المرشد الأعلى.. مع مرور الوقت، تطور إلى حرس (بريتوريان) ـ وهو مصطلح للإشارة إلى مجموعة نخبوية تحمي شخصية قوية أو سلطة معينة ـ وامتد إلى ما هو أبعد من الوظائف العسكرية، إلى منظمة أمنية متعددة الفروع، تضم استخبارات ووحدات استكشافية وميليشيا الباسيج.. وكل منها متجذر بعمق في المجتمع.
يهدف هيكل الحرس الثوري الإيراني إلى احتواء الاضطرابات، من خلال قيادات لامركزية في المحافظات تجمع بين الحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن المحلية.. يعمل الباسيج، الذي يملك مكاتب في الأحياء والمدارس وأماكن العمل، كشبكة للمراقبة والتعبئة والإكراه، يمتص غضب الجمهور من خلال القمع، بينما يحمي النظام من الضغوط الاجتماعية.. داخليًا، الحرس متجذر اقتصاديًا وسياسيًا، من خلال شبكات واسعة وشركات مدعومة من الدولة، يسيطرون على قطاعات رئيسية ويحصلون على الاستقلال المالي.. ومع ذلك، حدث كل هذا بأمر من خامنئي كوسيلة للاستيلاء على الحرس الثوري.. لهذا السبب لا يزال الحرس مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقائد الأعلى والبيت، وبقاؤه مرتبط بنظام خامنئي.
هذه الطبقات الثلاث تحيط بخامنئي ـ الراحل أو الحالي ـ وتشكل معًا النظام والأدوات التي تدعمه.. باستخدام استعارة الجسد البشري، يقف خامنئي كرئيس، بينما يعمل البيت كجذع، منسقًا ومسيرًا على النظام.. يدا النظام هما الحرس الثوري والشبكة الكهنوتية، اللتان تفرض السلطة وتمنح الشرعية الدينية.. تحتها تجلس الحكومة والإدارة العامة التي تدعم النظام لكنها لا توجهه.. تواصل الوزارات والبلديات والمؤسسات المقدمة للخدمات إدارة الحوكمة اليومية والحفاظ على استمرارية المؤسسات.. هذا الغلاف الخارجي يمتص إحباط الجمهور ويحافظ على مظهر وظيفة الحالة الطبيعية.. ومع ذلك، فهي لا تملك قوة حقيقية كبيرة.. البيروقراطية تدير المجتمع، لكنها لا تحكم النظام.
هذا التكوين الهيكلي يُقلل، بشكل حاد، من احتمال أن يتحول الاستياء الشعبي إلى انقسام النخبة، وهو أمر ضروري لانهيار السلطوية.. يتم احتواء الاحتجاجات من قبل قوات الأمن، مبررة بالخطاب الديني، ومخفية بجهاز دعائي يسيطر عليه مكتب المرشد الأعلى، ويتم امتصاصها في روتين بيروقراطي.. تظل السلطة مركزية، معزولة، ومدافعة عنها مؤسسات يعتمد بقاؤها على الحفاظ على الجوهر.. فهم هذه البنية أمر أساسي.. الجمهورية الإسلامية ليست صامدة لأنها تتمتع بالشرعية أو الموافقة الشعبية.. إنها مرنة لأنها صُممت عمدًا لصد الضغط، وتركيز السلطة، وحماية مركزها من المجتمع ومؤسساتها الخاصة.. يجب أن يبدأ أي تقييم جاد لمستقبل إيران السياسي بهذا الهيكل، بدلًا من افتراضات مستمدة من تشبيهات ثورية أو توقعات الانهيار الحتمي.
●●●
مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، رأى البعض، أن ذلك يعني بالضرورة الانهيار الفوري للنظام في طهران.. كان ذلك تحليلًا متسرعًا، يعكس التمني أكثر من التحليل الرصين.. هكذا يرى عبد الله فهد النفيسي، الأكاديمي الكويتي والعضو السابق في البرلمان الكويتي.. قال، نعم، نحن نشهد ضربة قاصمة، هي الأخطر التي تضرب الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام ١٩٧٩.. لكن السؤال السياسي الأهم ليس: (هل الضربة سيئة؟)، بل: (هل بُني النظام بطريقة تسمح له باستيعاب ضربة بهذا الحجم؟).. تشير الأدلة المتاحة حتى الآن، إلى أن النظام صُمم منذ البداية بحيث لا يكون مجرد ظل لرجل واحد، مهما علا شأنه.. الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا استبداديًا كما هو الحال في السياق العربي المألوف، حيث ينهار النظام بأكمله عند اختفاء رأس السلطة.. بل هي نظام أيديولوجي وأمني مُعقد، له رأس ديني، وتحته شبكة من المؤسسات الراسخة ـ بعضها دستوري، وبعضها أمني، وبعضها بيروقراطي واقتصادي ـ تعمل جميعها على حماية الكيان نفسه، لا على خدمة الفرد فحسب.
لهذا السبب، فإن اغتيال الزعيم الأعلى لا يمحو الدولة تلقائيًا، ولا يُسقط النظام بمجرد وقوعه؛ بل يُحوّل الأزمة من مسألة (بقاء الزعيم) إلى مسألة (التماسك الداخلي).. ويكمن الخطر الحقيقي في النضال من أجل الحفاظ عليه.. لقد صِيغ الدستور الإيراني نفسه مع وضع احتمال حدوث فراغ في السلطة في الاعتبار.. تنص المادة 111 على أن مجلسًا مؤقتًا يتولى صلاحيات القيادة عند شغور المنصب، إلى حين اختيار مجلس الخبراء قائدًا جديدًا في أقرب وقت ممكن.. وبعد الإعلان عن مقتل الزعيم، تم نقل الصلاحيات مؤقتًا إلى مجلس مكون من ثلاثة رجال، يضم الرئيس مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا عرفي.. وفي الوقت نفسه، كان اختيار المرشد الأعلى الجديد في يد مجلس الخبراء، الذي يتألف من ثمانية وثمانين عضوًا.
يمكننا وصف هذا الوضوح في كيفية التعامل مع شغور منصب القائد، بأنه (بروتوكول للبقاء)، مُصمم لمنح النظام القدرة على الاستمرار حتى في لحظة الصدمة القصوى.. كما يقول النفيسي.. لكن الخطأ الأكبر يكمن في الانخداع بالشكل الدستوري وحده.. صحيح أن النص مهم، لكن توازن القوى أهم.. وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات يستمد منها النظام قوته.. الطبقة الأولى، هي الشرعية الدينية، مُمثلةً بمنصب المرشد الأعلى، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور.. تمنح هذه الطبقة النظام شرعيته العقائدية، وتحدد من يحمل (ختم الشرعية).. لذا، فإن الصراع على الخلافة ليس إداريًا فحسب، بل هو صراع لاهوتي وسياسي في آن واحد.. أما الطبقة الثانية، فهي القطاع الأمني العسكري، الذي يرأسه الحرس الثوري الإسلامي، والذي يمثل في الواقع العمود الفقري للنظام، وليس مجرد مؤسسة واحدة من مؤسساته.. أما الطبقة الثالثة، فهي البيروقراطية السياسية، أي الحكومة والرئاسة والقضاء والأجهزة الإدارية والاقتصادية، التي تحافظ على سير وظائف الدولة اليومية وتمنع حدوث انهيار عام.. ومن بين كل هذه الطبقات، فإن الطبقة الحاسمة حقًا هي الحرس الثوري الإيراني.
تشير التقارير الأخيرة إلى أنه بعد اغتيال خامنئي، لم يعد السؤال الرئيسي هو: (هل توجد آلية دستورية؟)، بل أصبح: (هل سيحافظ الحرس الثوري على تماسكه؟).. وذلك لأن هذا الجهاز ليس تابعًا للرئيس، ولا هو جيش نظامي، بل هو الحارس الفعلي للثورة، ويتمتع بنفوذ كبير في الأمن الداخلي، وفي صنع القرار الإقليمي، وفي الشبكات الاقتصادية وشبكات النفوذ.. وبسبب الحرب ومقتل كبار القادة، شدَّد الحرس الثوري قبضته على عملية صنع القرار في البلاد، وأصبح يعتمد على درجة من اللامركزية العملياتية، التي تسمح للقيادة المتوسطة بمواصلة العمل بسرعة.. هذا يعني، أن الضربة ربما أصابت الرأس، لكنها لم تشل الأطراف.
واستنادًا إلى المؤشرات الحالية، يصعب الجزم بأن النظام الإيراني سيسقط نتيجةً لهذه الحرب وحدها.. بل إن بعض الدلائل تشير إلى عكس ذلك: فالأنظمة الأيديولوجية، حين تواجه تهديدًا وجوديًا خارجيًا، قد تزداد تشددًا بدلًا من الانهيار، وقد يؤدي استهداف المرشد الأعلى، على المدى القصير، إلى مواقف أكثر تشددًا وتماسكًا دفاعيًا، لا إلى تفكك سريع.. بل إن بعض عناصر المعارضة الإيرانية في الخارج، صرحت صراحة بأن القصف وحده لا يسقط النظام، وأن أي تغيير حقيقي، إن حدث، يتطلب ديناميكية داخلية أوسع من مجرد الضربات العسكرية.. ومع ذلك، فإن عدم الانهيار الفوري لا يعني الأمان.. قد لا يسقط النظام، لكنه قد يخرج من هذه الحرب مُنهكًا، حذرًا، وأكثر انغلاقًا على نفسه، لا سيما بعد اختيار مُجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل.. هذا هو السيناريو الأرجح حتى الآن: يبقى النظام، لكن بصورة أكثر قسوة وأقل ثقة بالنفس.
لا تختبر الحرب قدرة الردع فحسب، بل تكشف أيضًا عن مدى الضعف الداخلي وتعيد تشكيل مراكز القوة.. فعندما يخرج نظام من حرب كهذه مثقلًا بالخسائر، ورأسه نفسه مهدد، فإنه يميل إلى اختيار الخيار الأمني: فينغلق على نفسه، ويزيد من الشكوك، ويضيق نطاق نفوذه السياسي، ويتعامل مع المعارضين والمنشقين على أنهم (ثغرات محتملة) في جدار البقاء.. وقد بدأت هذه النزعة في الظهور بالفعل.. فقد تحدثت التقارير عن انقسامات داخلية ظهرت تحت ضغط الحرب، بين المتشددين المقربين من الحرس الثوري الإيراني وتيار أقل تشددًا نسبيًا مرتبط بمواقف الرئيس بيزشكيان، خصوصًا بعد الجدل الذي أعقب تصريحاته بشأن وقف الهجمات على دول الخليج.. ضغط بعض رجال الدين المتشددين داخل النظام، من أجل تسريع اختيار زعيم أعلى جديد، مما يشير إلى قلقهم من توزيع السلطة الفعلية مؤقتًا بين مجلس ثلاثي في خضم حرب مفتوحة.. هذه ليست مؤشرات على الانهيار بعد، لكنها مؤشرات على وجود قلق داخل النظام نفسه..
إذن، تكمن المعضلة، ليس في غياب الآلية، بل في البيئة التي يتم فيها اختبار هذه الآلية: الحرب، والاغتيال، والضغوط الخارجية، والخسائر العسكرية، والانقسامات داخل النخبة، والخوف من الانشقاق.. باختصار، لا يبدو أن النظام الإيراني، حتى هذه اللحظة، مُتجه نحو سقوط سريع، ولكنه في الوقت نفسه لا يبدو قادرًا على الخروج من هذه الحرب سالمًا كما كان سابقًا.. والنتيجة الأرجح هي أنه سيصمد، ولكن بثمن باهظ: اعتماد أكبر على الحرس الثوري، ومساحة أقل للسياسة، وحساسية متزايدة تجاه المعارضة، وميل أقوى نحو تقليص الأمن الداخلي.. وبعبارة أوضح: قد لا تُنهي هذه الحرب النظام، لكنها قد تُنهي ما تبقى من مرونته.. عندما تفقد الأنظمة مرونتها، قد تُطيل أمدها بالقوة، لكنها في الوقت نفسه تبدأ استنزافًا داخليًا بطيئًا.. هذه هي المفارقة الإيرانية الراهنة: نظام لم يسقط، ولكنه يدخل مرحلة جديدة من التصلب القلق.. تصلب قد يحميه اليوم، ويُضعفه غدًا.
●●●
■■ وبعد..
في التاريخ، عادةً ما تنهار الأنظمة الاستبدادية مرتين: أولًا نفسيًا، عندما يتلاشى الخوف؛ ثم سياسيًا، عندما يتردد حاملو السلاح.. تبدو الصدمات الأخيرة التي شهدتها إيران أقل شبهًا بأزمة واحدة، وأكثر شبهًا بسلسلة انهيار كلاسيكية تتكشف بسرعة.. غالبًا ما لا تكون اللحظة الحاسمة في انهيار النظام هي النهاية الرسمية، بل نقطة التحول التي تسبقها: اللحظة التي تتحطم فيها هالة الحتمية التي تحيط بالدولة.. قد تبقى الحدود محمية، وقد يستمر البث التلفزيوني، وقد يستمر المسئولون في إصدار القرارات.. لكن ثمة أمرٌ أهم قد تغير.. لم يعد النظام يعمل بثقة.
يتكرر هذا النمط عبر التاريخ الحديث.. تنهار الأنظمة عندما تتضاءل السلطة، وتبدأ القوى التي كان من المفترض أن تحافظ على النظام بالتردد أو التفكك أو الانشقاق أو ببساطة الانتظار.. في روسيا عام 1917، لم يُحسم مصير النظام الملكي فقط بسبب الحشود في الشوارع، بل أيضًا بسبب رفض القوات والمجموعات العسكرية العرقية قمعها.. في إيران عام 1979، انتهى نظام الشاه فعليًا عندما أعلنت القوات المسلحة حيادها.. في رومانيا عام 1989، تسارع سقوط نيكولاي تشاوشيسكو، عندما انقلب الجيش على ولائه.. في ألمانيا الشرقية، فقد جدار برلين معناه السياسي، في اللحظة التي جعل فيها فتح الحدود من المستحيل تنفيذه.. في كل حالة، جاءت النهاية بعد أن انهار شيء أعمق بالفعل: ثقة الدولة في قدرتها على فرض الطاعة.. ولهذا السبب، من الأفضل فهم نقطة التحول، ليس كتاريخ ولكن كسلسلة من الأحداث.
أولًا يأتي التآكل الطويل: التدهور الاقتصادي، وفقدان الشرعية، والغضب الاجتماعي، وانعدام الثقة داخل المعسكر الحاكم.. ثم تأتي صدمة محفزة: مذبحة، أو انتخابات مزورة، أو هزيمة عسكرية، أو انقلاب فاشل، أو وفاة الحاكم الذي بُني النظام حوله.. ثم تأتي المرحلة الأكثر أهمية والأصعب قياسًا: فشل استعادة السلطة.. لا يزال النظام يُظهر استمراريته، لكن ليس بشكلٍ مقنع.. لا يزال بإمكانه التهديد، والعقاب، والبثّ الإعلامي.. لكنه لم يعد يُطمئن.. لم تعد سلطته مطلقة.. بعد ذلك فقط تأتي النهاية الرسمية.. لم يعد السؤال مجرد ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية لا تزال موجودة على الورق.. إنها موجودة بالفعل.. السؤال الأهم، هو ما إذا كان لا يزال النظام في طهران، يعمل كنظام بالمعنى الكامل: بسلطة تنتقل بوضوح، وولاء يصمد تحت الضغط، ومؤسسات تفعل أكثر من مجرد إبقاء العنف مستمرًا.. يشير التاريخ إلى أنه عندما تبدأ تلك الأشياء في الفشل معًا، فإن نقطة التحول لم تعد بعيدة.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

















0 تعليق