في مثل هذا اليوم، 15 أبريل 1839، ولد يعقوب صنوع، الكاتب والصحفي والمسرحي المصري الذي ارتبط اسمه ببدايات الصحافة الساخرة في مصر، حتى صار يُعرف بلقب "أبو نظارة"، نسبة إلى مجلته الشهيرة التي تحولت إلى منبر جريء لانتقاد السلطة وكشف أوجه الفساد، ويعد صنوع واحدًا من أبرز رواد النهضة الثقافية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعدما جمع بين المسرح والصحافة والعمل الوطني في مسيرة استثنائية.
ولد يعقوب صنوع في حي باب الشعرية بالقاهرة، لأسرة مصرية يهودية مندمجة في المجتمع المصري، وكان الابن الوحيد لوالديه بعد وفاة أربعة أطفال قبله، ونشأ في بيئة متعددة الثقافات والديانات، ما جعله ينفتح مبكرًا على التنوع الفكري.
وتشير سيرته إلى أنه حفظ القرآن، وقرأ التوراة والإنجيل، وأجاد عددًا كبيرًا من اللغات، بينها العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وهو ما منحه أدوات مبكرة لفهم المجتمع والتعبير عنه.
من المسرح إلى الصحافة.. رحلة يعقوب صنوع
في شبابه، سافر يعقوب صنوع إلى إيطاليا لدراسة الفنون والآداب، فعاد محملًا بأفكار النهضة الأوروبية، ومقتنعًا بدور الفن في إصلاح المجتمع. وبعد عودته، عمل مدرسًا ومترجمًا، قبل أن يتجه إلى المسرح، حيث أسس واحدة من أوائل الفرق المسرحية الوطنية في مصر، وقدم عروضًا اجتماعية ساخرة في حديقة الأزبكية.
وقد لفتت أعماله نظر الخديوي إسماعيل باشا، الذي منحه لقب "موليير مصر" إعجابًا بموهبته. لكن العلاقة بينهما لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اصطدمت نزعة صنوع النقدية بسلطة القصر، خاصة بعدما تناول في مسرحياته قضايا اجتماعية وسياسية تمس الطبقة الحاكمة.
ومع إغلاق مسرحه وتضييق الخناق عليه، وجد يعقوب صنوع في الصحافة وسيلته الجديدة لمخاطبة الناس، فانتقل من خشبة المسرح إلى صفحات الجرائد، حاملا الروح الساخرة نفسها، لكن هذه المرة في مواجهة مباشرة مع السلطة.
"أبو نظارة".. مجلة ساخرة بلغة الناس
في عام 1877، أصدر صنوع مجلة "أبو نظارة"، التي تعد أول صحيفة ساخرة بالمعنى الحديث في مصر والمنطقة العربية، وجاء اسمها مستوحى من لقب اشتهر به بين الناس، بعدما كان يضع نظارة مميزة، فتحولت الشخصية إلى رمز صحفي لاذع يراقب الواقع وينتقده.
تميزت المجلة بلغتها القريبة من عامة الناس، إذ استخدم صنوع العامية المصرية والحوار الشعبي، إلى جانب الرسوم الساخرة والكاريكاتير، ليصل برسالته إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء، وكانت صفحاتها تهاجم زيادة الضرائب، وتنتقد استبداد الحكومة، وتفضح فساد المسؤولين، بأسلوب ساخر جمع بين النكتة والجرأة.
كانت "أبو نظارة" منبرًا سياسيًا واجتماعيًا مبكرًا، شجع المصريين على الشكوى والمطالبة بحقوقهم، كما ساهم في رفع وعي الجمهور تجاه ما يجري في بلادهم.
لم يوقف صوته.. يعقوب صنوع والمنفى
بسبب جرأته، تعرضت مجلة "أبو نظارة" للمصادرة أكثر من مرة، واضطر يعقوب صنوع إلى تغيير اسمها باستمرار، فصدرت بأسماء مثل "أبو نظارة زرقاء"، و"أبو زمارة"، و"الحاوي"، و"النظارات المصرية"، في محاولة للالتفاف على الرقابة.
ومع تصاعد الضغوط، غادر "صنوع" مصر إلى باريس عام 1878، حيث عاش منفيًا حتى وفاته، لكنه لم يتوقف عن الكتابة. بل واصل إصدار صحفة من هناك، واستمر في مهاجمة استبداد الخديوي، ثم الاحتلال البريطاني، مدافعًا عن استقلال مصر وحقوق شعبها.
وفي منفاه، حافظ يعقوب صنوع على أسلوبه الساخر الذي جمع بين المقالة والتمثيل والحوار الشعبي، حتى تحولت صحافته إلى امتداد لمسرحه، وإلى سلاح ثقافي وسياسي عابر للحدود.
ورحل يعقوب صنوع عام 1912 في باريس، بعد أكثر من ثلاثة عقود من النضال بالقلم، ولكن أثره ظل حاضرًا في تاريخ الصحافة المصرية، بوصفه أحد أوائل من أدركوا قوة السخرية كوسيلة للمقاومة وكشف السلطة.















0 تعليق