فشل المفاوضات.. حقيقة أم مناورة؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد مؤخرًا لحظة فارقة فى مسار العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران حين غادر نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس قاعة المفاوضات بعد ماراثون دبلوماسى استمر ٢١ ساعة، معلنًا بلهجة حادة: «لقد فشلنا فى التوصل إلى اتفاق، وهذا خبر سيئ لإيران أكثر مما هو للولايات المتحدة». هذا التصريح لم يكن مجرد إعلان عن تعثر تقنى، بل فجر تساؤلات كبرى حول ماهية المرحلة المقبلة. هل نحن أمام حافة الهاوية التى تسبق الاتفاق الكبير، أم أن الدبلوماسية قد استنفدت أغراضها وبات خيار التصعيد العسكرى والمجابهة هما سيد الموقف؟

جاءت تصريحات فانس بعد جولة مفاوضات اتسمت بالسرية والتوتر، حيث تركزت نقاط الخلاف حول أمرين أساسيين، وهما الملف النووى، حيث أصرت واشنطن على التزام إيرانى مؤكد بعدم السعى لامتلاك سلاح نووى أو الأدوات التى تتيح تصنيعه سريعًا، وهو ما اعتبره فانس الهدف الأساسى للرئيس ترامب.

وبرزت قضية مضيق هرمز عقبة، مع رفض طهران التخلى عن سيطرتها عليه مقابل رفض واشنطن رفع التجميد عن الأصول الإيرانية. ما ميز خطاب فانس هو استخدام مصطلح العرض الأخير وهى لغة تجارية- سياسية يشتهر بها نهج إدارة ترامب، ما يوحى بأن واشنطن وضعت الكرة فى ملعب طهران بالكامل قبل المغادرة.

السؤال هو: هل هو مجرد ضغط سياسى؟ هناك رأى بأن إعلان الفشل هو فى الحقيقة تكتيك تفاوضى كلاسيكى يهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط النفسى والسياسى على صانع القرار فى طهران. 

وتستند هذه الرؤية إلى سعى واشنطن لإشعار الجانب الإيرانى بأن البديل عن التنازل هو الأسوأ مثل عقوبات أشد أو ضربات عسكرية، خاصة مع تهديدات ترامب المتزامنة بفرض حصار على مضيق هرمز. تصريح فانس بأن إيران هى الخاسر الأكبر يهدف إلى تأليب الرأى العام الداخلى فى إيران، وتحميل الحكومة تبعات الانهيار الاقتصادى المتوقع فى حال استمرار القطيعة. وغالبًا ما يتم الإعلان عن نهاية المفاوضات لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازل اللحظة الأخيرة قبل فوات الأوان.

على الجانب الآخر هناك مؤشرات قوية تدعم فرضية أن الفشل حقيقة واقعة ناتجة عن فجوة واضحة فى التفاهم بسبب انعدام الثقة. إيران ترى أن المطالب الأمريكية تجاوزت الخطوط الحمراء وتمس سيادتها الوطنية، خاصة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية وحقها فى تأمين مياهها الإقليمية. ويعانى كلا الطرفين من ضغوط داخلية متشددة، فإدارة ترامب- فانس لا تملك ترف العودة باتفاق ضعيف أمام قواعدها الانتخابية. وفى المقابل لا تستطيع القيادة الإيرانية تقديم تنازلات تبدو كاستسلام كامل لشروط واشنطن. 

وقد زادت حدة التحركات العسكرية فى المنطقة، ما يشير إلى أن الطرفين بدآ بالفعل فى تجهيز خطة جديدة. ولم تقف إيران صامتة، حيث وصفت خارجيتها المطالب الأمريكية بأنها مبالغ فيها وغير قانونية. ومع ذلك تركت طهران الباب مواربًا عبر التأكيد أن الدبلوماسية لا تزال أداة، وهو ما يتناغم مع دعوات وزير الخارجية الباكستانى إسحاق دار الذى طالب الطرفين بالالتزام بوقف إطلاق النار، مؤكدًا أن بلاده ستواصل دورها للحوار بين الجانبين. وتظل الحقيقة تكمن فى الفرصة الأخيرة. ويمكن القول إن تصريحات نائب الرئيس الأمريكى هى مزيج من الحقيقة والمناورة. هى حقيقة من حيث وصول المفاوضات إلى طريق مسدود تقنيًا حول نقاط السيادة والأمن النووى، وهى ضغط من حيث توقيتها وطريقة صياغتها الدرامية التى تهدف لانتزاع قبول إيرانى للمقترح الذى تركه فانس على الطاولة قبل رحيله.

الأيام المقبلة ستكون الحاسمة، فإما أن تستجيب إيران للعرض الأخير تحت وطأة التهديدات، أو أن إعلان الفشل سيتحول إلى واقع ميدانى يبدأ بإغلاق الممرات المائية وينتهى بمواجهة مباشرة لا يريدها أحد. إن مغادرة فانس لم تكن نهاية الأمر، بل هى بداية فترة الاختبار، فإما أن يلحق به رد إيجابى من طهران، أو أن المنطقة ستدخل فى نفق مظلم من التصعيد غير المحسوب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق