يقدم الباحث عمرو عبد العزيز منير في كتابه «من التاجر إلى الساحر: تحولات صورة اليهود في سيرة الظاهر بيبرس» قراءة مغايرة لصورة اليهود في المجتمع المصري خلال عصر سلاطين المماليك، متتبعًا حضورهم الثقافي في تلك الفترة الزمنية.
النشاط الثقافي ليهود مصر
لم يكن في التشريع الإسلامي ما يُغلق دون أهل الذمة أيَّ باب من أواب الأعمال، وكان قدمهم راسخًا في الصنائع التي تُدر الأرباح الوافرة، وكان اليهود مشاركين في الحياة العامة بكل جوانبها، فبالإضافة إلى عملهم بالدواوين والجهاز الإداري للدولة، هناك العاملون في مجال الطب، والعمارة والتجارة والصيرفة، والنجارة وصناعة الأثاث، والحرف المختلفة كالحياكة، وأساكفة، وصباغون، وحلاقون، وخبازون، وسرامجية، وسلاخون، ودباغون وصُيَّاغ، وعطارون، وعشابون، وفرازون، وقزازون واشتهار بعض اليهود كباعة يطوفون على البيوت يبيعون ويشترون وعلى ظهورهم خُرجٍ به ملابس وأشياء متعددة، وغيرها، فلم يكن هناك "جيتو مهني" يحظر ممارسة أصحاب الديانات الأخرى لسبل العمل في الحرف المختلفة، إلا أن كثيرًا من المؤرخين قد قرن بين اليهود وبين الحرف المتدنية، بل إن بعضهم قصرها عليهم، ويلي هؤلاء حرف مرفوضة اجتماعيًّا منها أصحاب المشكلات الأخلاقية كالذين عملوا في الفجور، والبِغَاء من الجنسين، وبائعي الخمور، والذين اتخذوا من ضرب الرمل وكشف الغيب والشعوذة والتنجيم المحرم شرعًا، وقد يكون امتهان اليهود لهذه الحرف المتدنية انعكاسًا للأحوال الاقتصادية المتفاوتة في العصر المملوكي .
مع استقرار الطائفة اليهودية في مصر، أفرزت عددًا من المفكرين من أمثال: "الطبيب أحمد بن المغربي الإشبيلي" (ت 718ه/ 1318م) الذي برع في علوم عديدة، واعتنق الإسلام في عهد "الأشرف خليل بن قلاوون" وتولى رئاسة الأطباء وكان ملمًا بالتنجيم والفلسفة.
وفي سيرة الظاهر بيبرس نجد أحد ثُرَاة اليهود كان أديبًا لما حضرته الوفاة جمع ماله وفرقه على أهل الأدب والعلم ولم يترك لولد ميراثًا، وهى صورة نجد لها صدى في عيون الأخبار لابن قتيبة، إذ رسم لليهودي صورة إيجابية يعلن انتماءه لأهل الأدب واللغة بل يفضلهم على أبنائه، فيوصى بماله إليهم.
ولا شك أن عملية تعريب الإدارة الحكومية في مصر قد دفعت الكثيرين من اليهود إلى تعلم العربية وإجادتها حتى يمكنهم الاحتفاظ بوظائفهم، ومن ثَم أضحت العربية لغة الأدب والثقافة لليهود في مصر وعبر العالم العربي الإسلامي شرقًا وغربًا، وعلى الرغم من سيادة العربية، فإن الالتزامات الدينية اليهودية جعلت اليهود متقنين للكتابة العبرية منذ الصغر، مما دفعهم إلى دمج الحروف العبرية في كتاباتهم بالعربية، وبالتالي أصبحت العربية المكتوبة بحروف عبرية هي اللغة السائدة في المراسلات الشخصية والدراسات الفلسفية والشعر والأدب وغيره، ومع ذلك ظلت اللغة العبرية مستخدمة في نسخ ودراسة النصوص اليهودية الدينية، أو عُرفت (بالعربية اليهودية) التي كانت لغة يهود مصر وقد أبرزت وثائق الجنيزا أن اللغة العربية والأدب درسهما اليهود للتدريب للخدمة الحكومية، كذلك العلوم والفلسفة كتحضير لممارسة مهنة الطب.
نسمع في الوقت ذاته عن بعض مشاهير المثقفين مثل ما شاء الله (820 - 770م)، وهو أديب وفلكي مشهور يحتمل أن يكون مصريًا ويمكن القول أنه حوالي القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي كانت دراسة العبرية والأدب العبري قد ازدهرت في مصر، مما مهد لظهور حاخام وفيلسوف يهودي مصري هو سعيد بن يوسف أبو يعقوب الفيومي المشهور ب "سَعْدِيا" (ت 330ه/ 942م)، الذي تأثر بالمدرسة الكلامية ومذهب المعتزلة.
ودافع عن شرعية النبوة ووحدانية الله، كما رفض الإيمان بالسحرة والمنجمين، وهو أول شخصية عبرية مهمة تكتب على نطاق واسع بالعربية، ويعد مؤسس الأدب العربي اليهودي المدرسي ذائع الصيت فيما بعد.
واستخدم اليهود اللغة العربية في تلك الفترة ليس فقط في التواصل الشفوي والمكتوب، بل إنهم دمجوا مفاهيم وتقنيات من هذه البيئة الفكرية، التي عاشوا فيها مما جعل هذه الحقبة التاريخية الأكثر تميزًا من حيث النشاط الأدبي في كل حياتهم التاريخية.
ولا غرابة أن نجد مجموعة من القصائد التي تضمنتها بعض جُذاذات الشعر العربي المكتوب بحروف عبرية في الجنيزا القاهرية كتبت بلغة عربية عامية كوسيلة للتعبير والإبداع، من ضمنها إشارات شعرية شعبية لبعض أنبياء بني إسرائيل وأحداث تتعلق بالسبي البابلي وأحداث جرت خلال العصور الوسطى كالحروب الصليبية؛ مما شكّل دليلًا على تفوق العربية التي ربطت بين اليهود ومختلف فئات المجتمع العربي الإسلامي الوسيط مكانيًّا وزمانيًّا.















0 تعليق