أعادت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن دراسة إطلاق برنامج "دولة الفنون والإبداع" في لحظة تحمل دلالات أبعد من مجرد إعلان ثقافي، طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للدولة أن تعيد اكتشاف كنوزها البشرية، وأن تحول الفن والرياضة من مجالات نجاح فردي إلى مشروع وطني متكامل لصناعة الوعي والهوية والهيبة الإقليمية؟.
فالفكرة هنا لا تتعلق ببرنامج مسابقات أو مبادرة موسمية، بل برؤية أوسع تعتبر أن الموهبة المصرية الخام، مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن أي مورد آخر، وأن اكتشافها ورعايتها وتقديمها للمجتمع، يعد استثمارًا مباشرًا في الإنسان المصري وفي صورة الدولة نفسها.
وجاءت الإشارات المرتبطة بالمبادرة متسقة مع حديث رئاسي عن أهمية استكشاف المواهب بشكل موضوعي ومتجرد في مختلف المجالات، وعلى رأسها الفنون والرياضة، بما يعكس اتجاهًا يرى أن بناء الشخصية المصرية لا ينفصل عن توسيع دوائر الإبداع، وأن تمكين الموهوبين ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية تتصل بالوعي العام وبالقوة الناعمة، وبقدرة مصر على التأثير داخل محيطها العربي والأفريقي والدولي.
من رعاية المبدعين إلى بناء منظومة وطنية لاكتشافهم
وتكشف القراءة الأعمق لهذه التوجيهات، أنها لا تنحصر في الاحتفاء بالمبدعين القائمين، وإنما تمتد إلى البحث عن الموهوبين الذين لم يصلوا بعد إلى الضوء، ولذلك فإن حديث مؤسسات الدولة الثقافية عن دراسة البرنامج بما يليق بمكانة مصر الثقافية والإبداعية، يعكس أن التصور المطروح يتجه نحو إطار مؤسسي يربط بين الرعاية، والاكتشاف، والتأهيل، والتقديم الإعلامي، بحيث لا تضيع الموهبة بين المدارس والقرى والأحياء الشعبية ومراكز الشباب وقصور الثقافة.
وتؤكد توجيهات الرئيس السيسي، بمد مظلة هذا البرنامج لتشمل كافة المحافظات، من قلب الصعيد إلى عمق سيناء ومرسى مطروح، إيمانه بأن الموهبة لا تعرف الطبقية أو الجغرافيا، وتعكس حرص الدولة المصرية على خلق بيئة حاضنة تستطيع تحويل الطاقات المهدرة إلى طاقات منتجة، قادرة على مواجهة القبح والتطرف، بالجمال والفن. إن "دولة الفنون والإبداع" هي بمثابة دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للعقل الناقد والروح المبدعة، مما يساهم في تحصين الشباب ضد الأفكار الهدامة، عبر غرس قيم الابتكار والتميز والمنافسة الشريفة.
اكتشاف المواهب الجديدة
والحديث عن اكتشاف المواهب في الفنون أو الرياضة، لم يعد منفصلًا عن الأمن الثقافي والاجتماعي للدولة، فالفن الجاد، كما تؤكد أصوات ثقافية بارزة، يمنح الطفل والشاب توازنًا نفسيًا وعقليًا، ويخلق حصانة ضد التطرف الفكري والفراغ والانجراف، ويصنع إنسانًا أكثر قدرة على التذوق والنقد والتمييز، ومن هنا تبدو المبادرات التي توسع مساحات الإبداع وكأنها جزء من معركة حماية الوعي، لا مجرد توسيع دائرة الترفيه.
وفي الرياضة، لا يختلف الأمر كثيرًا، فالموهبة الرياضية إذا اكتُشفت مبكرًا، يمكن أن تتحول إلى بطل يرفع العلم المصري، وإلى نموذج ملهم للأجيال الجديدة، وإلى واجهة دولية شديدة التأثير، لذلك فإن الربط بين الفنون والرياضة في الخطاب الرئاسي يحمل معنى واضحًا: الدولة التي تريد بناء إنسان متكامل، لا تفصل بين تهذيب الوجدان وبناء الجسد، ولا بين الإبداع الثقافي والانضباط الرياضي، لأن كليهما يصنعان صورة الأمة في الداخل والخارج.
كما أن اكتشاف الموهبة مبكرًا يفتح بابًا اقتصاديًا واسعًا؛ فالصناعات الثقافية، والإنتاج الفني، وصناعة الرياضة، والتسويق الإعلامي، والسياحة المرتبطة بالفعاليات والمهرجانات والبطولات، كلها مسارات تولد دخلًا وفرص عمل وتأثيرًا ممتدًا، وعندما تنظر الدولة إلى الموهبة بوصفها أصلًا وطنيًا، فهي عمليًا تؤسس لسوق قوة ناعمة يدر عائدًا ماديًا ومعنويًا في الوقت نفسه.
الفن المصري: تاريخ طويل من التأثير يتجاوز الحدود
وإذا أردنا فهم معنى (دولة الفنون والإبداع)، فعلينا أن نتذكر أن مصر لم تكن يومًا دولة مستهلكة للفن، بل دولة منتجة للرمز والصورة والحكاية، فمنذ العصور القديمة، لعبت الفنون دورًا محوريًا في التعبير عن الهوية المصرية ونشر قيمها ورؤيتها للعالم، ثم جاءت مصر الحديثة لتجعل من المسرح والسينما والموسيقى والإذاعة والكتاب والصحافة، أدوات تأثير عابرة للحدود، حتى صار الوجدان العربي نفسه مشبعًا باللهجة المصرية والصوت المصري والخيال المصري.
وفي القرن العشرين تحديدًا، تحولت السينما المصرية إلى نافذة رئيسية رأت من خلالها المنطقة العربية نفسها، بينما أصبحت الأغنية المصرية لسانًا وجدانيًا مشتركًا، وصار نجوم مصر الفنيون، سفراء غير رسميين للبلد في العواصم العربية والأجنبية.
وهذا التاريخ لم يُصنع بقرار إداري واحد، بل بصناعة ومنظومة متكاملة، شملت مدارس، ومعاهد، ومسارح
، واستوديوهات، وإذاعة، وصحافة، وجمهور واسع كان يثق في المنتج المصري ويمنحه الأولوية.
من أم كلثوم إلى نجيب محفوظ والشاشة الكبيرة.. كيف صاغت مصر وجدان المنطقة؟
حين كانت حفلات كوكب الشرق أم كلثوم حدثًا ينتظره العالم العربي، لم يكن الأمر مجرد نجاح لمطربة عظيمة، بل كان تعبيرًا عن مركزية القاهرة في تشكيل المزاج العام العربي.
وحين جابت الأغنية والسينما والدراما المصرية البلدان العربية، كانت تنقل معها اللغة والنبرة والخيال والذاكرة الاجتماعية المصرية، فتتحول الثقافة إلى شكل من أشكال الحضور السياسي والمعنوي، من دون خطابات مباشرة.
ولطالما كانت القوة الناعمة هي السلاح المصري الأكثر تأثيرًا عبر التاريخ؛ حيث استطاعت مصر بمبدعيها وفنانيها ورياضييها أن تبني إمبراطورية ثقافية لا تغيب عنها الشمس.. من صوت كوكب الشرق الذي وحد الشعوب العربية، إلى إبداعات نجيب محفوظ التي نقلت الحارة المصرية للعالمية، وصولًا إلى محمد علي رشوان أسطورة الجودو الأولمبية، وفخر العرب محمد صلاح، والعديد من نجوم الرياضة الذين تحولوا لأيقونات ملهمة للشباب حول العالم
وهكذا اشتغلت القوة الناعمة المصرية لعقود: بالحب، وبالاعتياد، وبالقدرة على الوجود داخل البيوت والوجدان.. ومن هنا، فإن أي مشروع جديد لاكتشاف المواهب الفنية لا يبدأ من فراغ، بل يستند إلى ذاكرة تاريخية، تثبت أن الفنان المصري حين يجد المؤسسة التي ترعاه، يستطيع أن يصبح اسمًا عربيًا وربما عالميًا، فالمعركة الآن ليست في إثبات موهبة المصريين، بل في إعادة بناء المسار الذي ينقلهم من الهواية إلى الاحتراف، ومن المحلي إلى الإقليمي والعالمي، ومن الفردي إلى المؤسسي.
الرياضة المصرية.. القوة الناعمة التي تتكلم بلغة الإنجاز
وإذا كان الفن يخاطب الوجدان، فإن الرياضة تخاطب الشعور الجمعي بالفخر والانتماء، ومصر تمتلك في هذا المجال تاريخًا بالغ الدلالة؛ فالمنتخب المصري لكرة القدم كان أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الألعاب الأولمبية بوصوله إلى نسخة 1920، وهو ما يعكس ريادة مبكرة في الحضور الرياضي الخارجي.
ثم توالت العلامات الكبرى التي جعلت الرياضة المصرية جزءًا من رواية الدولة عن نفسها في الخارج، فالمنتخب الوطني تُوج بسبع نسخ من بطولة كأس الأمم الأفريقية، وظل هذا الرقم شاهدًا على ثقل مصر القاري، بينما ترسخت جماهيرية أنديتها الكبرى وحضورها الواسع في المنطقة، بوصفها امتدادًا شعبيًا لصورة مصر وتأثيرها.
وليس من المصادفة أن يؤكد وزير الشباب والرياضة أن المنتخب الوطني، وقطبي الكرة المصرية (ناديا الأهلي والزمالك)، يمثلون "القوة الناعمة" لمصر رياضيًا؛ فهذه المؤسسات الرياضية ليست مجرد فرق تتنافس على الألقاب، لكنها أيضًا حوامل رمزية لاسم مصر في الإعلام الإقليمي، وفي وجدان الجماهير العربية والأفريقية، وفي سردية الدولة التي تريد أن تُرى قوية ومنظمة وقادرة على صناعة النجومية والإنجاز.
لماذا يجب أن يسير الفن والرياضة جنبًا إلى جنب؟
وتعود أهمية الجمع بين الفنون والرياضة في مشروع وطني واحد، إلى أن الاثنين يشتركان في جوهر واحد: اكتشاف الموهبة، والانضباط في التدريب، وصناعة القدوة، وخلق جمهور واسع حول قصة نجاح مصرية، فالفنان يحتاج إلى منصة عادلة ومدربًا ومعهدًا وفرصة ظهور، وكذلك الرياضي. والاثنان حين ينجحان، يمنحان المجتمع أملًا واقعيًا في الترقي الاجتماعي عبر الجهد والتميز، لا عبر الوساطة أو الصدفة.
وكذلك فإن الربط بين المجالين يوسع مفهوم "القوة الناعمة" نفسه، فالقوة الناعمة لم تعد مقتصرة على الأغنية والفيلم والمسلسل، بل تشمل أيضًا البطولة الرياضية، والحدث الجماهيري، وصورة اللاعب المصري المحترف، كما تشمل الكاتب، والموسيقي، والممثل، والمصمم، والمبتكر.. ولذلك يبدو برنامج "دولة الفنون والإبداع" أقرب إلى عنوان كبير لفلسفة دولة تبحث عن كل نقاط تميزها البشرية وتعيد تقديمها في صورة مشروع حضاري شامل.
الفنون والعلاقات الدولية: حين تكون الثقافة جسرًا قبل السياسة
وفي عالم شديد التنافس، لا تبني الدول علاقاتها الدولية فقط عبر الدبلوماسية التقليدية، بل أيضًا عبر الثقافة والفنون والرموز المشتركة،
والفن هنا يؤدي وظيفة بالغة الذكاء؛ إذ يفتح أبواب التعارف ويخفف التوتر ويخلق مساحات للحوار لا تستطيع السياسة وحدها أن تصنعها، وعندما تستضيف مصر فعاليات فنية دولية وتبني شبكات تعاون بين الفنانين والشركاء التنمويين من دول مختلفة، فهي لا تنظم حدثًا ثقافيًا فقط، بل تمارس شكلًا متقدمًا من الدبلوماسية الثقافية.
وهنا تتضح قيمة مشروع مثل "دولة الفنون والإبداع"، فهو لا يضيف وجوهًا جديدة إلى الساحة المحلية فحسب، بل يمكن أن يمد الدبلوماسية المصرية بأجيال جديدة من المؤثرين الثقافيين القادرين على تمثيل الوطن في المهرجانات، والمعارض، والمنصات الدولية، والمنتديات العابرة للثقافات.
وكل فنان ناجح في الخارج، وكل عرض مصري يثير الإعجاب، وكل إنتاج ثقافي يحظى بالاهتمام، هو في النهاية رسالة سياسية ناعمة تقول إن مصر دولة حية، منتجة، متجددة، واثقة من نفسها.
الفنون والتنمية المستدامة.. رؤية مصر لا تبني الحجر فقط بل تبني الإنسان
وواحدة من أهم النقاط التي تجعل هذا الملف استراتيجيًا، هي أن الفنون لم تعد تُفهم بوصفها نشاطًا منفصلًا عن التنمية، فالخطاب المرتبط برؤية مصر 2030، يضع الثقافة والفنون ضمن مكونات بناء الإنسان، ويرى أن الفن في قلب خطط التنمية، لأنه يرفع الذوق العام، ويدعم الوعي، ويقوي الانتماء، ويخلق مجتمعات أكثر استعدادًا للابتكار وأكثر قدرة على الحوار مع العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن أي برنامج وطني لاكتشاف المواهب الفنية، لا بد أن يُقرأ باعتباره جزءًا من مشروع تنموي أوسع، يشمل تنمية البشر، وتنمية الصناعات الثقافية، وتنمية الثقة بالذات الوطنية، فالدولة التي تبني متحفًا عالميًا، وتستضيف منتديات فنية دولية، وتربط الفن بالحوار الحضاري وبالشبكات الدولية، ترسل رسالة واضحة مفادها أن التنمية ليست طرقًا ومباني فقط، وإنما أيضًا خيال، وذوق، وفكرة، وصوت، وصورة، وقدرة على الإلهام.
"دولة الفنون والإبداع".. فرصة لإعادة تصدير الشخصية المصرية بأدوات العصر
ويكمن جوهر المسألة في أن مصر لا تبدأ من الصفر، فهي تملك تاريخًا هائلًا ومذهلًا في الفنون، وريادة معتبرة في الرياضة، وكتلة بشرية ضخمة مليئة بالمواهب، وذاكرة عربية وأفريقية ما زالت تحتفظ بصورة المصري المبدع والمؤثر.
لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من امتلاك الإمكانات إلى حسن تنظيمها، ومن النجاحات المتفرقة إلى المنظومة، ومن الموهبة الفردية إلى السياسة العامة، وكل ذلك في إطار الجمهورية الجديدة التي يحلم بها كل مواطن.
ولذلك تبدو توجيهات السيد / الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن "دولة الفنون والإبداع"، أبعد من مبادرة ثقافية عابرة؛ إنها محاولة لفتح ملف بناء القوة الناعمة المصرية من جذوره، عبر اكتشاف مبكر، رعاية عادلة، ومنصات وصول جماهيري، وربط بين الفن والرياضة، وتقديم مصر للخارج باعتبارها دولة تصنع الإنسان كما تصنع الإنجاز.
وإذا أحسن تنفيذ هذا التصور، مثلما حدث في برنامج "دولة التلاوة" الذي حظى بنحو 3 مليارات و700 مليون مشاهدة، فقد يصبح البرنامج واحدًا من أهم الأدوات التي تزيد لمصر من بريقها التقليدي، وتمنحها في الوقت نفسه، لغة عصرية جديدة للتأثير الإقليمي والدولي.
إن تدشين برنامج "دولة الفنون والإبداع"، هو إعلان رسمي عن دخول مصر عصر "النهضة الثانية"، فهو رسالة للعالم بأن مصر التي علمت البشرية الفنون والعمارة منذ آلاف السنين، لا تزال ولادة، وقادرة على صياغة مستقبلها بسواعد أبنائها المبدعين، لتبقى مصر دومًا منارة للجمال، وقلعة للإبداع، ومركزًا للريادة التي لا تنضب.














0 تعليق