في عشرينيات القرن الماضي، كانت ساحة الغناء المصري تعيش واحدة من أكثر مراحلها ثراءً وتنافسًا، حيث تصدّرت ثلاث مطربات المشهد الفني آنذاك: منيرة المهدية، وفتحية أحمد، وأم كلثوم. وبينما كانت المهدية تحتفظ بمكانتها كـ«سلطانة الطرب»، كانت أم كلثوم لا تزال في بدايات صعودها، لتفاجئ الساحة بنتائج استفتاء جماهيري رجّحت كفة فتحية أحمد بشكل واضح.
يكشف كتاب «فتحية أحمد.. مطربة القطرين» للباحث محب جميل عن تفاصيل استفتاء أجرته مجلة روزاليوسف في عددها الصادر بتاريخ 19 مايو 1926، بهدف حسم الجدل الدائر آنذاك حول الأفضل بين المطربات الثلاث. وقد دعت المجلة قراءها إلى المشاركة في استبيان تضمن أربعة أسئلة رئيسية، دارت حول: أجمل صوت، والأكثر تأثيرًا، والأعمق إلمامًا بفن الغناء، وأيهن يفضّل الجمهور الاستماع إليها إذا غنّت كل واحدة في ليلة واحدة بمكان مختلف.
جاء هذا الاستفتاء في سياق جدل صحفي واسع، تناولت المقارنة بين فتحية أحمد وأم كلثوم، مع إشارات إلى مكانة منيرة المهدية في الغناء المسرحي، بينما غابت أسماء أخرى عن هذا الجدل، ما دفع «روزاليوسف» إلى طرح الاستفتاء لحسم الرأي العام.
وفي عددها الصادر يوم 27 مايو 1926، أعلنت المجلة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لصالح فتحية أحمد بفارق كبير. ففي سؤال «أجمل صوت»، حصلت فتحية أحمد على 94 صوتًا، مقابل 30 صوتًا لمنيرة المهدية، و19 صوتًا لأم كلثوم، من إجمالي 143 صوتًا.
أما في سؤال «الأكثر تأثيرًا»، فحصدت فتحية 90 صوتًا، مقابل 33 صوتًا لأم كلثوم، و19 صوتًا لمنيرة، من إجمالي 132 صوتًا. وفي محور «الأكثر إلمامًا بفن الغناء»، عززت فتحية أحمد صدارتها بحصولها على 96 صوتًا، مقابل 27 صوتًا لمنيرة المهدية، و6 أصوات فقط لأم كلثوم، من إجمالي 124 صوتًا.
تعكس هذه النتائج لحظة فارقة في تاريخ الغناء المصري، حيث كانت الذائقة الجماهيرية تميل بوضوح إلى صوت وأداء فتحية أحمد، في وقت لم تكن فيه أم كلثوم قد بلغت بعد ذروة مجدها الفني، بينما ظلت منيرة المهدية تحتفظ بريادتها في المسرح الغنائي.
ويؤكد هذا الاستفتاء أن خريطة النجومية لم تكن ثابتة، بل خاضعة لتحولات الذوق العام وتغيرات الساحة الفنية، وهو ما سيظهر لاحقًا مع صعود أم كلثوم لتصبح الاسم الأبرز في تاريخ الغناء العربي.














0 تعليق