تناول الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وشيخ الطريقة الصديقية الشاذلية، عبر صفحته الرسمية موضوعًا مهمًا حول العلاقة بين النسبي والمطلق في الفكر الإسلامي، مستعرضًا بعضًا من أبرز خصائص وسمات الأدبيات الإسلامية التي تبرهن على هذه العلاقة في مختلف مجالات الحياة.
المطلق والنسبي في الإسلام
بدأ الدكتور علي جمعة حديثه بالإشارة إلى وعي المسلمين العميق بالعلاقة بين النسبي والمطلق، مشيرًا إلى أن الفكر الإسلامي يبدأ في الغالب بالإقرار بالمطلق الذي يمثل إيمان المسلم بالله ورسله وبالقيم السامية العالية.
هذا الإقرار يظهر بشكل جلي في العبارات التي تستخدمها الكتب الإسلامية، خاصة في مقدماتها، مثل: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" و"الحمد لله رب العالمين"، حيث تعتبر هذه العبارات تمهيدًا لمعرفة المسلم بحقيقته الإيمانية، كما أنها تبرز محورية هذا المطلق في حياة المسلم.
الاحتكام إلى الكتاب الكريم والسنة
وتابع الدكتور جمعة موضحًا أن هذا البدء بالبسملة والتسبيح لله جاء اقتداءً بكتاب الله تعالى، حيث يبدأ القرآن الكريم بسورة الفاتحة التي تحتوي على هذه الكلمات: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، كما أشار إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»، وهو حديث يؤكد على أهمية الربط بين كل عمل بدايةً من ذكر الله تعالى.
أحد أبرز النقاط التي تطرق لها الدكتور جمعة هو ذكر الصلاة على النبي ﷺ في مقدمات الكتب الإسلامية، مبيّنًا أنها تعد امتثالًا لأمر الله في قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}.
وأضاف أن الصلاة على النبي ﷺ ليست فقط تعبّدًا لله، ولكنها تمثل أيضًا تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم من قلوب المسلمين، وطلبًا للثواب العظيم الوارد في الحديث النبوي: "من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرًا".
التواضع العلمي
وعن حكمة كلمة "والله أعلم"، التي يختتم بها العلماء اجتهاداتهم، أشار الدكتور علي جمعة إلى أن هذه الكلمة تعكس تواضع العلماء واعترافهم بأن علمهم محدود وأن حواسهم وعقولهم قد تكون غير قادرة على الإحاطة بكل شيء. كما أنها تُظهر استعدادهم لتغيير آرائهم إذا تبين لهم الحق، وتربطهم بالله سبحانه وتعالى الذي هو مصدر العلم.
العودة إلى الله في العلم
وأوضح الدكتور جمعة أن العلماء عندما يختتمون اجتهاداتهم بقولهم "والله أعلم"، إنما يردون العلم إلى الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وهذا يعد من باب الاعتراف بعجز الإنسان أمام قدرة الله العظيمة، ويتسم بتواضع الباحث الذي يعترف بحدود علمه ويراعي ما يقتضيه العقل السليم من تبادل المعرفة والبحث المستمر.
النقد الاجتماعي والتأصيل الديني
ووجه " جمعة" نقد للمجتمعات الإسلامية، حيث أشار إلى أن كثيرًا من المتصدرين بغير علم يتكلمون في كل شيء، ويظنون أن قولهم "والله أعلم" يعفيهم من المسؤولية، وأكد أن هذا ليس صحيحًا، وأن الشخص الذي يفتقر إلى العلم سيحاسب أمام الله، خاصة إذا تم توجيه نصيحة بغير علم، كما حث على أهمية العودة إلى التراث الإسلامي لفهم معانيه بشكل عميق، والاستفادة منه بما يتناسب مع واقعنا المعاصر، في إعادة تشكيل تفكيرنا المستقيم.
وأكد الدكتور علي جمعة على ضرورة العودة إلى النصوص الإسلامية بعين واعية وفكر نقدي يستفيد من التراث ويواجه التحديات المعاصرة، مشيرًا إلى أن هذه الدعوة تعكس إيمانًا عميقًا بأن العلم والفكر الإسلامي لا ينتهيان عند نقطة معينة بل هما في تطور مستمر، وأن التواضع العلمي هو السبيل للوصول إلى الحق.













0 تعليق