الثقافة تعود إلى مدنها المنسية.. البحيرة تفتح أبواب الذاكرة وتكتب بداية جديدة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في لحظةٍ بدت أقرب إلى استعادة الروح، لا مجرد زيارة رسمية، تحركت الثقافة نحو قلب الدلتا، حاملة معها مشروعًا يتجاوز الترميم إلى إعادة تعريف الدور، ويتخطى البروتوكولات إلى إعادة بناء الوعي، في دمنهور، لم يكن المشهد عابرًا، بل بدا كأن مدينةً كاملة تستعيد ملامحها الثقافية القديمة، وتتهيأ لكتابة فصل جديد من تاريخها.
 

جاء ذلك خلال زيارة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، إلى محافظة البحيرة، حيث استقبلتها الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، في جولة موسعة شهدت توقيع بروتوكول تعاون لإحياء مكتبة البلدية بمجمع دمنهور الثقافي، إلى جانب تفقد عدد من أبرز الصروح الثقافية، في خطوة تعكس توجهًا حقيقيًا نحو إعادة توزيع الضوء الثقافي خارج العاصمة.

ويمثل مشروع تطوير مكتبة البلدية أحد أبرز محاور هذه الزيارة، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة تأهيل مبنى قديم، بل بإحياء ذاكرة ثقافية متراكمة، تحتضن بين جدرانها كنوزًا من المخطوطات والخرائط والكتب النادرة وألبومات الصور ذات القيمة التاريخية الفريدة، ووفقًا للبروتوكول الموقع مع الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، ستخضع المكتبة لعمليات ترميم دقيقة، إلى جانب فهرسة وتصنيف مقتنياتها باستخدام أحدث النظم العلمية، بما يضمن الحفاظ عليها وإتاحتها للأجيال القادمة.

ولا يقف الطموح عند حدود الحفظ، بل يمتد لتحويل المكتبة إلى مركز ثقافي متكامل، يقدم خدمات معرفية وتدريبية، ويصبح منصة تفاعلية تستوعب مختلف الفئات العمرية، في إطار رؤية تستهدف جعل الثقافة جزءًا حيًا من الحياة اليومية للمواطن.

وأكدت وزيرة الثقافة أن هذا المشروع يمثل انطلاقة حقيقية نحو استعادة دور المكتبة كمحور ثقافي مؤثر، فيما شددت محافظ البحيرة على أن التعاون مع الوزارة يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الثقافة في بناء الإنسان، مشيرة إلى أن المشروع سيحدث نقلة نوعية في المشهد الثقافي بالمحافظة.

وفي سياق متصل، امتدت الجولة لتشمل دار أوبرا دمنهور، التي بدت كأنها تستعد لمرحلة جديدة من الحضور الفني، بعد أعمال تطوير استهدفت الحفاظ على طابعها المعماري المميز، مع تحديث بنيتها التقنية.

وأعلنت وزيرة الثقافة عن توجه لتنظيم سلسلة من الحفلات والفعاليات الكبرى بمشاركة نخبة من كبار الفنانين، بما يعيد للأوبرا دورها كمنصة رئيسية للفنون في الإقليم.

كما شملت الزيارة مركز الإبداع الفني، حيث تم تفقد قاعاته المختلفة، مع التأكيد على أهمية تطوير البرامج التدريبية، خاصة تلك الموجهة للأطفال والشباب، باستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية، في خطوة تعكس تحولًا في أدوات العمل الثقافي، لمواكبة متطلبات العصر.

ولم تغب المؤسسات الجماهيرية عن المشهد، إذ اختتمت الجولة بقصر ثقافة دمنهور، حيث تم تفقد معرض الورش الفنية ونادي تكنولوجيا المعلومات للأطفال، إلى جانب نادي المرأة، في تأكيد واضح على أن الثقافة لم تعد حكرًا على النخبة، بل مشروعًا مجتمعيًا شاملًا يستهدف كل الفئات.

وتكشف هذه التحركات عن ملامح رؤية متكاملة، تقوم على ثلاث ركائز أساسية: صون التراث، وتطوير المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، وهي رؤية، إن كتب لها الاستمرار، قد تعيد رسم خريطة الثقافة في مصر، بحيث لا تظل محصورة في العاصمة، بل تمتد لتضيء المدن التي طال انتظارها لدورها، ولا تبدو البحيرة مجرد محطة في جدول زيارات وزيرة الثقافة، بل نموذجًا أوليًا لما يمكن أن تكون عليه عودة الثقافة إلى جمهورها الحقيقي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق