وبين خطاب رسمي يرفع لواء الشرعية الدولية، ومراسلات تحمل دلالات تتجاوز ظاهرها، يبرز خطر انزلاق لبنان إلى مسار يهدد توازنه الداخلي. فالتطورات الأخيرة، ولا سيما الرسالة التي وجّهتها وزارة الخارجية إلى بعثة لبنان في نيويورك في 3 آذار، تكشف عن تبدّل لافت في مقاربة الدولة لملفاتها السيادية، من خلال تحميل حزب الله مسؤولية التصعيد، وتصنيف جناحه العسكري كتنظيم خارج عن القانون، بالتوازي مع التشديد على ضبط أي نشاط مرتبط بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية.
هذا المسار، وفق قراءة مصادر دبلوماسية، لا يقتصر على إعادة تموضع سياسي داخلي، إذ يُفهم على أنها دعوة لوصاية دولية أو تدخل أوسع تحت ما يسمى عناوين الشرعية والاستقرار.
فهل تشكّل رسالة 3 آذار تمهيدًا لمسار الفصل السابع؟
يقول المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين لـ"لبنان24": استنادًا إلى المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، "يقرّر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به، أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدّم في ذلك توصياته أو يقرّر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقًا لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".
وبالعودة إلى المادة 41، "لمجلس الأمن أن يقرّر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلّب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية، والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية، وغيرها من وسائل المواصلات، وقفًا جزئيًا أو كليًا، وقطع العلاقات الدبلوماسية". ووفقًا للمادة 42، "إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تفِ به، جاز له أن يتّخذ، بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية، من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال التظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة".
وانطلاقًا من ذلك، ليس من أي سند أو موجب، وفقًا للقانون الدولي، لوضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتشكيل قوة أممية ضدّه أو ضد مناطق أو جماعات داخله، يقول يمين، لأنّ لبنان لا يشكّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجموعات داخله. بل على العكس، فإنّ لبنان هو الذي يتعرّض للعدوان والاعتداءات الإسرائيلية المتمادية منذ سنوات، وللاحتلال الإسرائيلي، وللتهديدات الإسرائيلية المتصاعدة والمستدامة. ولكن، في حال غلبت السياسةُ القانون، من الممكن أن تُستخدم الرسالة المذكورة كخطوة نحو التدويل.
أما من الناحية القانونية البحتة، فلا يمكن اعتبار أي رسالة موجّهة إلى مجلس الأمن، بحدّ ذاتها، بحسب يمين، مدخلًا تلقائيًا لتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لكن، من الناحية السياسية–الإجرائية، وفي حال كانت هناك خلفيات وراء الرسالة أبعد من مجرّد إعطاء علم وخبر، فيمكن أن تؤدّي الرسالة وظيفة "تهيئة الملف" عبر:
1- إدراج المسألة ضمن جدول أعمال مجلس الأمن.
2- بناء سردية قانونية تُبرز وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين.
3- إضفاء طابع رسمي دولي على النزاع الداخلي.
وبالتالي، قد تكون الرسالة خطوة تمهيدية غير مباشرة، لكنها ليست بذاتها انتقالًا إلى الفصل السابع، بل جزء من مسار أطول يتطلّب توافر شروط موضوعية وسياسية دولية.
ومع ذلك، يمكن أن تكون الرسالة جزءًا من مسار قانوني متكامل إذا استُتبعت بخطوات مثل: طلب عقد جلسة رسمية لمجلس الأمن، تقديم ملف قانوني يربط بين نشاطات الجهة المعنية وتهديد السلم الدولي، وطلب تدابير محدّدة (عقوبات، مراقبة، لجنة تحقيق…). أما إذا بقيت الرسالة من دون متابعة إجرائية، فهي تندرج ضمن "الدبلوماسية الإشارية"، أي إرسال رسائل سياسية أكثر منها إطلاق مسار قانوني.
وبناءً على ما تقدّم، يُطرح السؤال: ما الذي قد يحدث داخل مجلس الأمن بعد الرسالة؟
يقول يمين: إجرائيًا، هناك عدة سيناريوهات: تعميم الرسالة كوثيقة رسمية، إثارة الموضوع في مشاورات مغلقة، أو طلب جلسة مفتوحة إذا توافر دعم من أعضاء المجلس. وفي حال التصعيد: إصدار بيان رئاسي، أو قرار تحت الفصل السادس، أو في الحالات القصوى قرار تحت الفصل السابع.
أما الانتقال إلى الفصل السابع فيتطلّب: توافقًا بين الدول الدائمة العضوية، وإثبات "تهديد للسلم والأمن الدوليين" وفق المادة 39.
أما في ما خص السوابق المشابهة، فالحالة اللبنانية الأبرز كانت في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حيث بدأت بمراسلات من الحكومة اللبنانية طلبًا للمساعدة، وانتهت بصدور القرار 1757 تحت الفصل السابع لتجاوز عقبة التصديق البرلماني المحلي والإبرام الرئاسي. وكذلك حالات يوغوسلافيا السابقة، حيث بدأت بتقارير ومراسلات قبل فرض عقوبات وتدابير قسرية، ونلاحظ أنّ المراسلات كانت مرحلة أولى ضمن مسار تصاعدي مدعوم دوليًا، لا مجرد مبادرة منفردة.
لكن، هل تعكس الرسالة توجّهًا رسميًا ثابتًا للدولة اللبنانية؟
يؤكّد الدكتور يمين أنّه، استنادًا إلى المادة 65 من الدستور اللبناني، يتولّى السلطةَ الإجرائية مجلسُ الوزراء، وهو الذي يرسم السياسة العامة، وبالتالي ما كان يجب أبدًا أن تُرسَل الرسالة من دون قرار من مجلس الوزراء. لذلك، لا نستطيع بعد القول إنّها تعبّر عن سياسة الدولة اللبنانية بتدويل الملف اللبناني.
وفي ظل نظام توافقي، قد تُعتبر هذه الخطوة خروجًا عن "الميثاقية"، مما يضعف فاعليتها أمام المجتمع الدولي الذي يبحث عادةً عن موقف موحّد للدولة.
فمسألة تصنيف الجناح العسكري كمنظمة خارجة عن القانون، أي توصيف جهة داخلية بأنها "خارجة عن القانون" في رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة، يحمل، كما يؤكّد يمين، تبعات قانونية خطيرة، ومن شأنه نزع الغطاء الشرعي المحلي عن النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله، ويطرح إشكاليات وجدليات قانونية بين الحق بمقاومة العدوان والاحتلال ومفاعيل قرارات مجلس الوزراء تجاه النشاطات الأمنية والعسكرية للحزب.
أما مدى واقعية إدراج الحزب على لوائح الإرهاب الدولية، فيعتمد على ثلاثة عوامل:
1- الإرادة الدولية (خصوصًا الدول الخمس الدائمة العضوية).
2- التوازنات الإقليمية.
3- موقف الدولة اللبنانية نفسها. ومن دون طلب رسمي واضح ومتكرر من الدولة اللبنانية، يبقى الإدراج جزئيًا لا أمميًا شاملًا.
وعليه، إذا طُرح الملف تحت الفصل السابع، فإن الاحتمالات تشمل، كما يقول يمين: عقوبات محدّدة الهدف، تجميد أصول، حظر سفر، إنشاء آلية مراقبة دولية، وتوسيع مهام قوات دولية (نظريًا). وفي الحالات القصوى: تدابير قسرية غير عسكرية أو حتى عسكرية (وهو أمر نادر جدًا في الحالة اللبنانية).
وسط ما تقدّم، فإن ما يُطرح، بحسب يمين، في هذه المرحلة هو مزيج بين الضغط السياسي وفتح خيار قانوني مستقبلي، أي استخدام مجلس الأمن كأداة ضغط داخلي وخارجي، من دون ضمان أو نية فورية للوصول إلى الفصل السابع.
ويبدو أنّ الدولة اللبنانية (أو الطرف المحرّك للرسالة) تسعى إلى "تثبيت واقع قانوني جديد" لدى الدوائر الدولية. وحتى لو لم تؤدِّ الرسالة إلى الفصل السابع، فإنها قد تُتَّخذ ذريعة قانونية مستقبلًا لأي تحرّك دولي، وتجعل من الصعب على الدولة اللبنانية العودة إلى خطاب "الجيش والشعب والمقاومة" في المحافل الأممية.
لكن، أي مسار تدويل يحمل، كما يقول الدكتور يمين، مخاطر:
1. تعميق الانقسام الداخلي.
2. اهتزاز التوازنات السياسية الدقيقة.
3. احتمال ردود فعل ميدانية أو أمنية.
4. تدويل النزاع اللبناني–اللبناني.
5. رفع منسوب التوتر الداخلي، إذ يراها الطرف المستهدف "انقلابًا دبلوماسيًا"، بينما يراها الطرف الآخر "استعادة لسيادة الدولة" عبر الشرعية الدولية. والأرجح أنّها تندرج ضمن "التدويل الناعم" الذي يهدف إلى عزل الأجنحة العسكرية قانونيًا، تمهيدًا لتسهيل التعامل معها سياسيًا لاحقًا.










0 تعليق