مرت اثنان وعشرون عامًا على رحيل أسطورة السينما الأمريكية، مارلون براندو، الذي وافته المنية في الأول من يوليو عام 2004 عن عمر ناهز الثمانين عامًا، تاركًا إرثًا فنيًا لا يمحى في تاريخ السينما العالمية، يعد براندو أحد أبرز الممثلين الذين لمعوا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد أبدع في أكثر من أربعين فيلمًا، مخلدًا صورته الفنية في أذهان الجمهور والنقاد على حد سواء.
ربما كان أشهر أدواره على الإطلاق دور زعيم المافيا دون كورليوني في فيلم «الأب الروحي» (العراب) عام 1972، الذي يصنف من كلاسيكيات السينما الأمريكية، ورغم ادعائه أنه لم يجد متعة في التمثيل أبدًا، إلا أن تأثيره في جيله كان بالغًا، حيث أعاد تعريف فن الأداء التمثيلي وابتكر أساليب جديدة على الشاشة لم يسبقه إليها أحد.
ولد مارلون براندو في الثالث من أبريل عام 1924 بمدينة أوماها بولاية نبراسكا، لوالد كان تاجرًا كثير السفر، وأم ممثلة مسرح كانت تغيب غالبًا عن المنزل، مما أفرز لديه منذ طفولته ميلًا نحو التمرد والاستقلالية، بعد طرده من أكاديمية شاتوك العسكرية بتهمة «العصيان»، انتقل إلى نيويورك في سن التاسعة عشرة لدراسة التمثيل على يد ستيلا أدلر، التي ساعدته على تطوير أسلوبه المسرحي المميز.
بدأ براندو مشواره المسرحي في عام 1944، حيث أدى دور المسيح في مسرحية «هانيلي» وشارك في برودواي بمسرحية «أتذكر ماما»، وكان عمره حينها ثلاثة وعشرين عامًا عندما جسد دور ستانلي كوالسكي في مسرحية «عربة اسمها الرغبة»، ليحصد استحسان النقاد الذين وصفوا أدائه بأنه «تجسيد للجمال الرجولي الخطير والوحشي».
وفي عام 1950 بدأ براندو مشواره السينمائي بأول فيلم له بعنوان «الرجال»، الذي تناول حياة قدامى المحاربين المصابين في الحرب العالمية الثانية، تميز أداؤه الواقعي واستعداده التام لأدواره، فقد أمضى شهرًا في جناح المصابين بالشلل بالمستشفى استعدادًا لتجسيد الشخصية، توالت أعماله السينمائية لتشمل «ووتر فرونت»، «عربة اسمها الرغبة»، «تمرد على السفينة باونتي»، «التانغو الأخير في باريس»، و«يوليوس قيصر».
رشح براندو ثماني مرات لجائزة الأوسكار وفاز مرتين، الأولى عن فيلم «ووتر فرونت» عام 1954، والثانية عن «الأب الروحي» عام 1972، حيث رفض استلام الجائزة وأرسل شابة من السكان الأصليين لتسلمها، معبرًا عن رفضه للنمطية السائدة في تصوير الأمريكيين الأصليين في السينما، وكان آخر أفلامه «الهدف» مع روبرت دينيرو عام 2001.
عرف براندو بحياته الخاصة المأساوية، فقد قضى والده الشاعر ثمانية أعوام في السجن، وانتحرت ابنته تشييان عام 1995، فيما قضى ابنه كريستيان خمس سنوات في السجن بتهمة القتل الخطأ ومع ذلك، ظل كريمًا ودافئًا بعيدًا عن الصورة المتمردة التي صورته بها الصحافة أحيانًا، مكرسًا جزءًا كبيرًا من أمواله للأعمال الخيرية والدفاع عن المستضعفين.
خلال سنواته الأخيرة، ابتعد عن الأضواء وانعزل في جزيرة تيشاروا شمال تاهيتي، حيث عاش بعيدًا عن الضغط والشهرة، وأعرب في مقابلاته أنه أجبر على التمثيل من أجل المال، لكنه حرص دائمًا على ألا يضجر جمهوره، وعند وفاته، وصفه مراسلو السينما والنقاد بأسطورة حقيقية، أعاد تعريف التمثيل، وجعل من أدائه إرثًا خالدًا في تاريخ السينما العالمية، مزيجًا من الموهبة، الإنسانية، والجرأة الفنية.

















0 تعليق