بتأمل بسيط وبالنظر حولنا يقينا سندرك أن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد أداة…بل أصبح مرآة قاسية، تكشفنا أكثر مما تُضلّلنا.
نحن لا نعيش أزمة “تأثير”، بل أزمة “قابلية للتأثر”.
والفرق بين من ينجو ومن يذوب، لم يعد في قوة الوسيلة، بل في هشاشة المتلقي.
هنا يجب أن نتوقف عن الكذب المريح:
لسنا ضحايا الإعلام الرقمي… نحن شركاؤه.
نضغط، نشارك، نعيد النشر، نُكافئ الرديء لأنه أسهل، ونمنح السطحي فرصة الانتشار لأنه لا يُرهق عقولنا. ثم، بكل براءة مصطنعة، نسأل: كيف تغيّرت هويتنا؟
والأدهى أننا نفتخر بهذا التغيير، وكأننا أبطال لا عبيد.
يصبح الحديث أذن عن الهوية الثقافية أشبه بتشريح هادئ لجسد يتآكل ببطء.
لا أحد سرق لغتنا… نحن من تركناها.
لا أحد فرض علينا ذوقًا هابطًا… نحن من احتفينا به.
الإعلام الرقمي لم يفرض نموذجًا ثقافيًا واحدًا، لكنه قدّم آلاف النماذج، ونحن—بكسل انتقائي—اخترنا الأسهل، الأسرع، والأقل عمقًا. اخترنا ما يُضحك بدل ما يُفكّر، وما يُستهلك بدل ما يُبنى.
وهنا لا يحدث الانهيار فجأة، بل بالتدريج:
كلمة تختفي، فكرة تُبسط، ومعنى يُختزل… حتى نصحو على ثقافة بلا ملامح واضحة.
نحن من جعلنا الفراغ يبدو ممتعًا.
لكن—ورغم كل هذا—تظل الثقافة قابلة للإنقاذ.
لأنها ببساطة لم تكن يومًا معتمدة على منصة، بل على وعي.
والمشكلة أن الوعي نفسه أصبح عبئًا لا يريده كثيرون.
أما حين ننتقل إلى الهوية الوطنية، فلا مجال لهذا التهاون.
هنا نحن لا نتحدث عن ذوق يمكن تعديله،
بل عن انتماء يمكن أن يتآكل.
الإعلام الرقمي لم يخترع الشك، لكنه ضاعفه.
لم يخلق الانقسام، لكنه نظّمه ووزّعه في قوالب جذابة.
كل طرف يجد ما يؤكد له أنه على حق، وكل رواية تجد من يروّج لها، حتى لم يعد السؤال: أين الحقيقة؟
بل: أي نسخة من الحقيقة تناسبني؟
والمأساة أننا لم نعد نميز بين ما يهددنا وما يريح غرورنا.
وهنا الكارثة...لأن الوطن لا يعيش بتعدد الحقائق،بل بحد أدنى من الاتفاق على معناها.
حين يتحول كل شيء إلى “وجهة نظر”،
تصبح الوطنية نفسها محل تفاوض.
وحين تصبح محل تفاوض… فهي لم تعد ثابتة.
وهنا لا يقع اللوم على الإعلام وحده.
النخب شاركت بالصمت أو بالتعالي.
المؤسسات تأخرت أو اكتفت بالخطاب التقليدي.
والأفراد—وهم الأغلبية—اختاروا الطريق الأسهل: أن يستهلكوا بدل أن يسألوا، وأن ينجرفوا بدل أن يقاوموا.الجميع مذنب… بدرجات مختلفة.
ومن المريح أن نبحث عن عدو خارجي،لكن الحقيقة الأقل راحة أن الخلل فينا بقدر ما هو حولنا.
الفارق الجوهري إذن واضح، لكنه مُربك:
في الثقافة… نحن من تنازلنا.
في الوطنية… نحن من سمحنا للتشكيك أن يتمدد.
وهنا لا تنفع الشعارات،
ولا يفيد الحنين وحده.
الثقافة لا تُستعاد بالبكاء عليها،
والوطن لا يُحمى بالحديث عنه.
ما نحتاجه أبسط… وأصعب:
أن نستعيد قدرتنا على الرفض.
أن نقول “لا” لما يُسطّحنا، و“لا” لما يُربك انتماءنا، حتى لو كان شائعًا، حتى لو كان مريحًا.
لأن أخطر ما فعله الإعلام الرقمي بنا…لم يكن أنه غيّرنا،بل أنه جعلنا لا نرى هذا التغيير أصلًا.
والأخطر أننا بدأنا نحب هذا الغياب.وحين يفقد الإنسان قدرته على ملاحظة ما يحدث له،
فهو لا يحتاج إلى من يضلّله، يكفيه أن يستمر كما هو
- معرض دمنهور للكتاب يناقش «الهوية المصرية في العصر الرقمي»
- هشام عطوة: «الهوية الوطنية» مساحة للحوار حول جذور الشخصية المصرية
- حصاد اليوم الأول لجلسات مؤتمر الهوية بمكتبة الأسكندرية
- حلمي النمنم: رعاية الرئيس السيسي لمؤتمر الهوية الوطنية تؤكد أهمية بناء الإنسان
- قصور الثقافة تشارك بعروض فلكلورية فى مؤتمر الهوية الوطنية بمكتبة الإسكندرية






