إلاّ أن هذا الاجراء، في رأي أوساط ديبلوماسية أخرى، قد يزيد من حال التوتر السياسي الداخلي، وهذا ما لا يحتاج إليه لبنان في هذا الظرف الدقيق والحسّاس والخطر في آن، خصوصًا أن "الثنائي الشيعي"، الذي قاطع وزراؤه آخر جلسة لمجلس الوزراء قد يكون له موقف مغاير هذه المرّة. فإذا بلغ الأمر حدّ قطع العلاقات الديبلوماسية بين بيروت وطهران فإن "الثنائي" قد يجد نفسه مجبرًا على سحب وزرائه من الحكومة، التي ستتحوّل إلى "حكومة عرجاء"، وفق التوصيف الذي أُطلق على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعدما انسحب منها المكوّن الشيعي، وبعدما سقطت عنها صفة "الميثاقية"، وحوصر السراي الحكومي بخيم المعتصمين. أمّا إذا لجأ رئيس الحكومة نواف سلام إلى استبدال الوزراء المستقيلين بوزراء آخرين من الطائفة الشيعية فإن المشكلة ستكبر أكثر مما هو متوقع، وقد تُدخل البلاد في متاهات لا مخرج لها سوى المزيد من التعقيد والتأزيم.
أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، التي تستبيح كل شيء، وتضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات والمواثيق الدولية فإن بقاء السفير شيباني داخل السفارة وعدم مغادرته لبنان إلى بلاده قد يعطيها الحجّة باعتبار هذا المقرّ هدفًا مباشرًا مثله مثل فندق "الكومفورت" في الحازمية، أو فندق "رامادا" في الروشة، حيث التجأ إليهما عدد من الإيرانيين، يُقال إنهم ينتمون إلى "الحرس الثوري الإيراني".
وفي حال استهداف إسرائيل السفارة الإيرانية في بيروت فإن الردّ المتوقع من جانب "حزب الله" قد يشمل بعض المصالح الأميركية في لبنان. وهذا الردّ، في حال حصوله، سيعرّض بعض المناطق اللبنانية التي هي بالقرب من هذه المصالح لخطر الاستهداف، الأمر الذي من شأنه أن يحرف طبيعة المواجهة مع إسرائيل إلى مكان آخر. وقد يكون من نتائج هذا الحرف واحد من بين أهداف كثيرة لإسرائيل، التي تسعى إلى إيجاد مناخ ملائم لفتنة داخلية.
فالمشكلة لم تعد في بقاء السفير شيباني داخل السفارة أو مغادرته، بل في ما يمثّله هذا البقاء من رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الصراع بين إيران وخصومها لم يعد صراع نفوذ غير مباشر فقط، بل أصبح صراع حضور مباشر على الأرض اللبنانية، وأن لبنان الرسمي عاجز حتى الآن عن فرض قراراته السيادية عندما تتعارض مع توازنات القوة الداخلية والإقليمية.
فلبنان اليوم، في رأي جهات سياسية وازنة، أمام معادلة شديدة الخطور. فإذا ترك السفير الإيراني داخل السفارة، يكون قد تراجع عن قراره، وإذا صعّد ديبلوماسيًا قد يصل إلى قطع العلاقات مع طهران، وإذا تطوّر الأمر أمنيًا قد يتحول لبنان مجددًا إلى ساحة رسائل بالنار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
كل ذلك يحصل فيما الدولة اللبنانية تحاول أن تقنع الداخل والخارج بأنها استعادت قرارها السيادي، لكن قضية السفير شيباني قد تتحول إلى امتحان حقيقي لهذه السيادة. فهل القرار الذي يُتخذ في مجلس الوزراء يُنفّذ فعلًا، أم يبقى قرارًا نظريًا يصطدم بالوقائع السياسية والأمنية؟
قد يبقى السفير شيباني داخل السفارة أيامًا أو أسابيع، لكن القضية لم تعد قضية سفير، بل قضية دولة غير قادرة على فرض قراراتها على ساحة تتصارع فوقها الدول.
إقرأ أيضاً
- "نظام جديد للبنان".. تقرير يشرح الأمر
- اتفاق وقف النار يفاقم الانقسام في لبنان وسط تصعيد عسكري وانتقادات حادة للدور الإيراني
- بعد طرد السفير الإيراني.. هل أصبح استهداف المصالح الأميركية في لبنان مسألة وقت؟
- لبنان: سلام اختتم زيارته لواشنطن وموعد المفاوضات مرجّح في 20 أكتوبر في فلوريدا
- من "دولة إلى دولة"...السؤال في نيويورك... والجواب في "الضاحية"



