بعد مرور شهر على اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تدخل الأزمة مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا.
التصعيد العسكري يتصاعد بوتيرة غير مسبوقة، فيما تبذل الجهود الدبلوماسية محاولات حثيثة لاحتواء الانفجار المحتمل. المنطقة تقف أمام لحظة فارقة قد تغير موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري.
رفعت واشنطن سقف خطابها مجددًا، ملوحة بتحويل طهران إلى «جحيم» ما لم يتم التوصل إلى صفقة توقف المواجهة.
ورغم استخدام هذه اللغة منذ بداية الأزمة، فإنها لا تعكس استراتيجية واضحة لإجبار إيران على تقديم تنازلات. يبدو أن المرحلة الحالية قائمة على مبدأ "تصعيد مقابل تصعيد"، مع اختلاف موازين القوى بين الطرفين.
في الوقت نفسه، تظل احتمالات فتح مسار تفاوضي جديد قائمة، ما يعكس مقاربة مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري والانفتاح السياسي.
أعلن الجيش الإسرائيلي شن ضربات على بنى تحتية عسكرية إيرانية، مع دخول المواجهة شهرها الثاني. وفي سياق متصل، كشفت تقارير عن زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية إلى إسرائيل، حيث تم اعتماد خطط عسكرية مشتركة لتنفيذ عمليات خلال الأيام المقبلة. تشير المعطيات إلى إعداد سيناريوهات هجومية منسقة، مع تقدير أن أي تدخل بري محتمل داخل الأراضي الإيرانية سيكون بقيادة أمريكية، مع دعم لوجستي واستخباراتي إسرائيلي.
هذه التحركات تشير إلى أن الخيار العسكري لم يعد مجرد أداة ضغط سياسية، بل احتمال عملي يتم التحضير له ميدانيًا.
عبر منصته على “تروث سوشيال”، قال الرئيس الأمريكي ترامب إن الولايات المتحدة تجري مناقشات جادة مع نظام جديد أكثر عقلانية لإنهاء العمليات العسكرية في إيران، مؤكدًا أن تقدمًا كبيرًا تحقق حتى الآن.
وأضاف أن أي فشل في التوصل إلى اتفاق قريب أو عدم فتح مضيق هرمز أمام الملاحة سيجبر واشنطن على إنهاء تواجدها العسكري في إيران عبر استهداف محطات الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، وربما محطات تحلية المياه، كرد على مقتل الجنود الأمريكيين وغيرهم خلال ما وصفه "عهد الإرهاب"الذي استمر 47 عامًا تحت النظام القديم.
من جانبها، حذرت إيران من أن أي تحرك بري أمريكي سيقابل برد قاس، مؤكدة أن كلفة أي عملية برية لن تكون محدودة أو قابلة للاحتواء.
التحليل العسكري يشير إلى أن أي إنزال بري، حتى وإن كان محدودًا، يحمل مخاطر توسع الصراع إقليميًا، خاصة عند مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وسط هذا التصعيد، برز تحرك دبلوماسي إقليمي في محاولة لإعادة التوازن. فقد استضافت إسلام آباد اجتماعًا وزاريًا رباعيًا شارك فيه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظراؤه من باكستان وتركيا والسعودية، لبحث مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران، والتداعيات الاقتصادية المحتملة للتصعيد.
أهمية الاجتماع تكمن في إدراك الدول المشاركة أن استمرار التصعيد لن يبقى في إطاره العسكري الضيق، بل سيشكل تهديدا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق وسلامة الملاحة الدولية. وشدد المجتمعون على أن الحل الدبلوماسي ليس خيارًا تكتيكيًا موقتًا،بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع انهياره.
نجاح الوساطة الباكستانية يرتبط بعاملين حاسمين، أولًا استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات جوهرية تتجاوز المناورة التكتيكية، وثانيًا،قدرة الوسيط على التحرك باستقلالية حقيقية تتيح بناء ضمانات متبادلة تطمئن الطرفين.
وإذا بقي التصعيد أداة لتحسين شروط التفاوض، فقد تنجح الجهود في فتح نافذة تهدئة مؤقتة، أما إذا تحول الخيار العسكري إلى أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض، فإن أي وساطة ستظل محدودة التأثير أمام منطق القوة.
في الداخل الإسرائيلي، كشفت التقارير عن تباينات بين المستويين السياسي والأمني بشأن توسيع نطاق العمليات، خاصة في المناطق العازلة في لبنان. يعكس هذا التباين اختلاف تقدير المخاطر بين من يدفع نحو توسيع الضغط العسكري لتحقيق مكاسب استراتيجية، ومن يحذر من الانخراط في حرب متعددة الجبهات قد تتجاوز السيطرة.
المشهد العام محكوم بمعادلة دقيقة، تصعيد محسوب لتحسين شروط التفاوض مقابل خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد يصعب احتواؤها.
الولايات المتحدة تسعى لإظهار الجدية العسكرية لفرض واقع تفاوضي جديد، بينما تسعى إيران لتثبيت قدرتها على الردع دون الانجرار إلى حرب شاملة. أما القوى الإقليمية، فتركيزها منصب على منع تحول الصراع إلى حريق واسع يهدد استقرار المنطقة بأسرها.
الأيام المقبلة ستكون حاسمة: إما أن تنجح الضغوط المتبادلة في دفع الأطراف نحو تسوية سياسية، أو أن تتقدم الحسابات العسكرية على ما سواها، فتدخل المنطقة مرحلة أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ
- الاتفاق مع إيران تحت مظلة الردع.. واشنطن تبقي خيار الحصار العسكري والاقتصادي
- أحمد سالم: واشنطن قد تلجأ للحرب ضد إيران إذا فشلت الدبلوماسية «فيديو»
- بين واشنطن وطهران.. من يُسيطر على سُلّم التصعيد؟
- «تحذير مباشر إلى واشنطن».. روسيا: التصعيد ضد إيران سيشعل الشرق الأوسط
- ترامب لقادة إيران: "اتخاذ قرار صائب" أو "لن تكونوا موجودين"






