فى المنعطفات التاريخية الكبرى، لا تجد الأمة نفسها فى مواجهة تحديات اقتصادية أو سياسية فحسب، بل تجد نفسها فى حرب من نوع آخر. هى حرب الألسنة المسمومة والعقول المستأجرة. مصر بقلبها النابض وتاريخها الممتد، لم تكن يومًا بعيدة عن أعين المتربصين الذين يرون فى استقرارها عائقًا أمام طموحاتهم التخريبية. اليوم نرى محاولات محمومة لإحداث فتنة داخلية عبر سلاح الشائعة، وهو سلاح رخيص التكلفة، لكنه خطير الأثر إذا غاب الوعى. الشائعة ليست مجرد خبر كاذب، بل أداة نفسية مصممة بدقة لضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته، وبين المواطن وأخيه. المثير للدهشة هو التوقيت، فكلما بدأت مصر فى حصد ثمار استقرارها أو واجهت تحديًا عالميًا يتطلب التكاتف، انطلقت منصات الفتنة لتبث سمومها. إنهم يستغلون الأوجاع الإنسانية والمخاوف الطبيعية من المستقبل ليحولوا القلق إلى غضب، والنقد البناء إلى هدم شامل.
إن محاولات إحداث فتنة فى مصر ليست وليدة الصدفة، بل هى مخططات تعتمد على صناعة اليأس. يريدون للمصرى أن يستيقظ كل يوم وهو يشعر بأن وطنه ينهار، رغم أن الواقع يقول إن الدولة التى صمدت أمام زلازل الشرق الأوسط فى العقد الماضى لن تنكسر أمام بوست ممول أو مقطع فيديو مفبرك بالذكاء الاصطناعى.
يراهن مثيرو الفتن على العاطفة المتسرعة. ويريدون أن تشارك الخبر قبل أن تقرأه، وأن تغضب قبل أن تفكر. لكن الرد على هؤلاء لا يكون بالصياح، بل بالوعى والموضوعية.
التثبت قبل الترديد. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا». هذه القاعدة ليست مجرد نصيحة دينية، بل هى ضرورة وطنية وأخلاقية. قبل أن تنجرف خلف معلومة سلبية، اسأل نفسك: مَن المستفيد من نشر هذا الإحباط الآن؟. ستجد دائمًا أن المستفيد هو من يريد رؤية مصر غارقة فى الفوضى ليعيد إنتاج سيناريوهات دموية تجاوزناها بفضل الله ووعى الشعب.
الفتنة دائمًا ما تُعزف على أوتار الانقسام، سواء كان طائفيًا أو طبقيًا أو سياسيًا. لكن عظمة مصر تكمن فى أن النسيج الواحد ليس مجرد شعار، بل هو واقع يعيشه المواطنون.
ولا أحد ينكر وجود تحديات وصعوبات، فالكمال ليس من شأن البشر، ومصر كغيرها من دول العالم تمر بأزمات اقتصادية فرضتها ظروف عالمية معقدة. لكن الفرق بين النقد الذى يبنى والفتنة التى تهدم هو الهدف.
مثيرو الشائعات لا يقدمون حلولًا ولا يسعون لإصلاح. إنهم يكتفون بحرق الأخضر واليابس. إنهم يغضون الطرف عن الإنجازات، ويضخمون العثرات. وردًا عليهم يجب أن ندرك أن استقرار الدولة هو المظلة التى تحمى الجميع. إذا سقطت المظلة، لن ينجو أحد، ولنا فى دول الجوار عبرة وعظة، حيث بدأ الأمر بكلمة، وانتهى بضياع الأوطان وتشريد الشعوب.
والرسالة إلى المرجفين، إلى الذين يتربصون بمصر، والذين ينفقون الأموال لتشويه صورتها وإثارة مواطنيها: لقد أخطأتم، الشعب المصرى قد يشتكى، وقد يئن من الضغوط، لكنه يمتلك غريزة بقاء وطنية مذهلة. هذا الشعب يعرف جيدًا الفرق بين من ينتقد حبًا فى بلده، وبين من يحرض حقدًا على تاريخها.
مصر ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هى أرض الصمود. والرهان على إسقاطها من الداخل رهان خاسر، لأن المعدن المصرى يزداد صلابة كلما اشتدت عليه النيران. إن جيش مصر، وشرطتها، ومؤسساتها، وخلفها شعب واع، تمثل كتلة واحدة لا تخترقها أباطيل الشائعات. إن معركتنا اليوم هى معركة بقاء الوعى. وسنظل نبنى ونعمل وسنترك لهواة الهدم ضجيجهم، فالتاريخ لا يذكر إلا البنائين، أما المرجفون فى المدينة فسيذهبون إلى مزبلة التاريخ.






