الأربعاء 04/فبراير/2026 - 03:31 م 2/4/2026 3:31:17 PM
الهجوم على " العندليب "عبد الحليم حافظ وقبله " الست " أم كلثوم لم يكن رأي في المسألة الفنية، بل هو امتداد لمعركة قديمة، خاضتها جماعة الشر الإخوانية ومعها القوى الرجعية ضد الفن بوصفه أحد أعمدة التجربة الناصرية، وضد الفنانين الذين انحازوا للدولة الوطنية ووقفوا مع مصر في لحظات الحرب والمصير، ومازالوا يشكلون الى اليوم قوة مصر الناعمة الضاربة.
فلا أندهش ابدًا من أي هجوم يُشن على رموز الفن المصري الكبار، وفي مقدمتهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، وشادية وفايدة كامل وغيرهم، فقد نشأنا منذ طفولتنا في مناخ تسيطر عليه أفكار جماعة الشر الإخوانية، التي تعاملت مع رموز مرحلة الستينيات باعتبارهم خصوما تاريخيين، وطبيعي ان ترى الجماعة في تلك المرحلة عدوا بعدما اتخذت من شخص الزعيم جمال عبد الناصر وتجربته في الحكم عدوا، ووضعته هدفا في ادبياتها التي تدرسها الجماعة لكوادرها
الهجوم على " حليم " ليس لانه مطرب عاطفي يتم مقارنته بعمرو دياب كمنافس في الطرب العاطفي، بل لانه أحد أبرز الأصوات التي غنت لثورة يوليو، وساندت مشروع الدولة الوطنية، وواكبت معارك مصر في الخمسينيات والستينيات، وهنا تحديدا يبدأ العداء، مع كل من ساند ودعم موقف مصر.
فكان من الطبيعي ألا تسلم " الست" أم كلثوم من بذاءة الخطاب الإخواني، حين وقف أحد دعاة الجماعة، المعروفين بالتحريض والصراخ والكذب على منابر شبرا في مطلع السبعينات، رافعا يديه بالدعاء عليها علنا، مستخدما لغة السب والسخرية لا تمت للدين ولا للوعظ بصلة،ولم تراعي قيمة وقامة وتاريخ وجماهيرية سيدة الغناء العربي، ولم تمنع شرائط الكاسيت التي كانت تحمل خطبة لكل ربوع مصر وتذاع في المقاهي والساحات العامة
ايضا لم تكن المشكلة في صوت أم كلثوم ولا في فنها، بل المشكلة في كونها رمز للفن المصري وواجهة ناعمة لمرحلة الاستقلال الوطنى والتنمية الوطينة، فهي واحدة من أهم داعمي المرحلة ورافعة لمعنويات الشعب خاصة اثناء الحرب الحروب والاعداد لها، فكان لابد من قتلها حية وميتة.
نفس الهدف كان مع عبد الحليم حافظ الذي ظل هدفا لبذاءة الجماعة وشيوخها وكتابها قبل وبعد رحيله، اتهموه بالزندقة والميوعة وذهبت أدبيات الجماعة إلى أبعد من ذلك حين زعمت أن أغانيه كانت مخططا لإضعاف " الشباب المسلم " وتحويله من " مجاهد " إلى "عاشق ولهان".
فوصفه بعض شيوخ الجماعة بأنه " المخدر " الذي استخدمه جمال عبد الناصر لإلهاء الشعب عن قضاياه، وهاجموه بألفاظ سوقية على منابر السبعينيات، في محاولة متعمدة لتجريده من قيمته الفنية والوطنية.
حتى عندما قدم عبد الحليم أغانيه الدينية مثل " نفضت عيني المنام " و"أنا من تراب" لم يشفع له ذلك، بل روجوا لفكرة أنه " ندم " في أيامه الأخيرة، وهاجموا أغنيته " جبار " خاصة عبارة "قدر أحمق الخطى " باعتبارها خروجا عن العقيدة
أما محمد عبد الوهاب، فكانت تهمته مختلفة ظاهريا، فقد صُور باعتباره رمزا لـ " تغريب " الموسيقى العربية، وإدخال الإيقاعات الغربية، وهو ما اعتبره منظرو الجماعة غزوا ثقافيا يهدد " الأصالة العربية الإسلامية "
أما " شادية" فقد هوجمت في مرحلة تألقها السينمائي والغنائي بسبب ما اعتبروه " تبرجا "، ثم تحولت فجأة إلى " نموذج توبة " بعد اعتزالها وارتدائها الحجاب في منتصف الثمانينيات، واحتفت بها مجلات الجماعة باعتبارها عائدة إلى " الحق ".
غير ان الهجوم على مطربة دع سمائي - أغنية العدوان الثلاثي - التي غنتها تعبيرًا عن الصمود، بالإضافة إلى أغاني " فات الكتير يابلدنا" و"عاد السلام يا نيل" و"الجنة هي بلادنا" والمشاركة في "نشيد الوطن الأكبر"
فايدة كامل فكانت حالة خاصة فهي الصوت الثوري الحماسي، ولكنها الوقت نفسه زوجة لوزير الداخلية النبوي اسماعيل ونائبة برلمانية لسنوات طويلة، لذلك كان العداء لها سياسيا خالصا، باعتبارها جزءا من بنية النظام الذي تعاديه الجماعة.
وظلت الجماعة تتعامل مع كل من غنى لثورة يوليو وللقضايا الوطنية باعتباره شريكا في " تلميع الديكتاتورية " وفي مذكرات عدد من قيادات الإخوان الذين سُجنوا في الستينيات، فتحول الموقف السياسي الى منهج في كتب وكتابات قيادات الجماعة.
" زينب الغزالي " رأت أن عبد الناصر استخدم الفن، وعبد الحليم في المقدمة، لاستبدال " النشيد الجهادي " بالأغنية العاطفية.
وو صف "يوسف القرضاوي " الأغاني العاطفية بأنها "غناء يثير الغرائز"
وإعتبر" صلاح شادي " الفن والإعلام أدوات لتزييف وعي الشعب ومحاربة الفكرة الإسلامية عبر "تمجيد الأصنام البشرية " في الأغاني الوطنية.
كما خصصتا مجلتا " الدعوة " و " الاعتصام " مساحات منتظمة للهجوم على عبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب ومأمون الشناوي وصلاح جاهين، والابنودي وكل من كتب أو غنى للوطن.
فقدم كتاب " الإعلام في معركة العقيدة " لـ محمد كمال إمام، الفن باعتباره أداة بروباجندا استخدمتها ثورة يوليو ضد التيار الإسلامي.
فالحقيقة المؤكدة أن عبد الحليم لم يُهاجم لأنه غنى للحب، لكن لأنه غنى لمصر كما ان الهجوم على الزعيم جمال عبد الناصر لم يكن مجرد انتقام لتيار ارهابي، بل اداة للنيل من تجربة استقلال وطني حولت مصر من الملكية لجمهورية مستقله يحكمها أبنائها وتجربة تنمية غير مسبوقة حققت اعلى معدلات تنمية في تاريخ الشعوب النامية التي يراد لها دائما ان تظل غائبة
- حكايات الجورنالجي مع نجوم الفن.. رحلة هيكل من كواليس «الريحاني» إلى دموع «عبد الناصر» وسر علاقته مع أم كلثوم وفاتن حمامة وخجله من ميمي شكيب
- بعد قليل.. القضاء الإدارى ينظر دعوى ورثة أم كلثوم لوقف عرض فيلم "الست"
- الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (10)
- نسمة محجوب: ردود الفعل على فيلم “الست” أكبر مكافأة لسنوات من العمل
- أم كلثوم وحفلات المجهود الحربي.. الفن في خدمة الوطن





