تشهد أسواق الذهب، محليًا وعالميًا، حالة من التقلب الحاد، بعد موجات صعود تاريخية أعقبتها تراجعات سريعة أربكت المستثمرين والتجار على حد سواء. هذا التذبذب المتسارع فرض حالة من الحذر داخل السوق المحلية، في ظل تغيرات سعرية متلاحقة وتأثر مباشر بالأحداث السياسية والاقتصادية العالمية.
يأتي هذا المشهد في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية عالميًا، وتتسارع القرارات الاقتصادية الكبرى، ما جعل التنبؤ باتجاه أسعار الذهب أمرًا بالغ الصعوبة، ودفع الخبراء إلى التأكيد على ضرورة التعامل مع المعدن الأصفر باعتباره مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، وليس أداة لتحقيق مكاسب سريعة.
أكد هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن الارتفاعات القياسية الأخيرة في أسعار الذهب كانت متوقعة من حيث المبدأ، إلا أن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في السرعة الكبيرة التي تحققت بها هذه الزيادات، والتي فاقت جميع التقديرات.
وأوضح أن المؤشرات تشير إلى تسجيل الذهب ارتفاعًا يقارب 22% منذ بداية العام الجاري، وهو معدل استثنائي خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف ميلاد، أن حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي تشهدها الساحة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية دفعت المستثمرين والمؤسسات إلى التحوط بالذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، مشيرًا إلى أن السوق المحلية تأثرت بهذه الموجة، وسجلت ارتفاعات مماثلة للأسواق العالمية بفارق زمني محدود.
وأشار رئيس شعبة الذهب إلى أن حركة الأسواق بطبيعتها لا تسير في اتجاه واحد، مرجحًا حدوث موجات تصحيح أو تراجع محدود خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن السجل التاريخي للذهب يثبت قدرته على استعادة زخمه الصعودي على المدى الطويل، وأن أي تراجعات محتملة تظل مؤقتة.
من جانبه، كشف لطفي منيب، نائب رئيس الشعبة العامة للذهب، عن أبعاد أخرى للتقلبات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الأسواق المالية العالمية تكبدت خسائر تريليونية تجاوزت 7.4 تريليون دولار خلال فترة زمنية قصيرة، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الذهب التي شهدت تراجعًا حادًا بعد موجة صعود تاريخية.
وأوضح منيب أن هذا التراجع يعود إلى قيام شركات تكنولوجيا كبرى ومؤسسات مالية أمريكية بتسييل جزء من احتياطياتها من الذهب بشكل سريع، لتغطية مراكزها المالية وإجراء تسويات عاجلة، بالتزامن مع دخول مضاربين يسعون لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، ما أفقد السوق توازنه مؤقتًا وحوّل الذهب من مخزن آمن للقيمة إلى أداة للمضاربة.
وعلى المستوى المحلي، انعكست هذه التقلبات العالمية على السوق المصرية، حيث سجلت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا، وانخفض سعر الجرام بنحو 600 جنيه لمختلف الأعيرة، ما دفع بعض محال الصاغة إلى تقليص التعاملات أو تعليقها مؤقتًا كإجراء احترازي أمام التغيرات السريعة في الأسعار.
وفي السياق ذاته، أكد عمرو مغربي، عضو شعبة الذهب، أن أسعار الذهب تمر بحالة واضحة من عدم الاستقرار، مشيرًا إلى صعوبة تقديم نصيحة مباشرة للمستهلكين بشأن الشراء أو البيع في ظل المتغيرات الحالية. وشدد على أهمية الشراء خلال فترات استقرار الأسعار، حتى وإن كانت عند مستويات مرتفعة.
وأشار مغربي إلى أن أسعار الذهب سجلت ارتفاعًا بنحو 76% خلال عام 2025، لافتًا إلى أن هذه القفزات جاءت نتيجة تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، وفرض رسوم جمركية جديدة، واشتداد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب التحركات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ما دفع دولًا كبرى ومستثمرين إلى تقليص الاعتماد على الدولار والاتجاه نحو الذهب.
وأكد أن الذهب يظل أداة رئيسية لحفظ القيمة في أوقات الأزمات، إلا أن التعامل معه يتطلب وعيًا بطبيعة السوق، ورؤية استثمارية طويلة الأجل، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي.
وبشأن التوقعات للفترة المقبلة، يرجح خبراء سوق الذهب استمرار حالة التذبذب وعدم الاستقرار على المدى القصير، في ظل غياب رؤية واضحة لمسار الأوضاع الجيوسياسية والسياسات الاقتصادية العالمية، وتشير التقديرات إلى أن أسعار الذهب ستظل رهينة تطورات الملفات الساخنة، وعلى رأسها التوترات في الشرق الأوسط، ومسار العلاقات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، إلى جانب قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة.
وفي المقابل، يرى محللون أن الذهب لا يزال يتمتع بدعم قوي على المدى المتوسط والطويل، باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات وعدم اليقين، وأكدوا أن أي تراجعات محتملة قد تمثل فرصًا لإعادة بناء المراكز الاستثمارية، خاصة في حال ظهور مؤشرات على تباطؤ اقتصادي عالمي أو توجه البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر مرونة، وهو ما قد يعيد الزخم الصعودي لأسعار المعدن الأصفر خلال الفترات اللاحقة.






