بينما كانت سماء غزة تشتعل بالصواريخ، كانت القاهرة تدير "غرفة عمليات" لا تهدأ على مدار الساعة، لم يكن الدور المصري في حرب غزة مقتصرًا على رد فعل تقليدي، بل تحول إلى إدارة أزمة شاملة عبر أربعة جبهات متوازية: صد مخططات التهجير، تأمين شريان الحياة الإنساني، قيادة مفاوضات الهدنة، وحشد الرأي العام الدولي.
في هذا التقرير الشامل، نجمع خيوط المشهد لنرسم الصورة الكاملة: كيف وقفت مصر كـ "حائط صد" أمام تصفية القضية، وكـ "جسر نجاة" لأهل القطاع؟
الجبهة الأولى: "الدرع السياسي".. إجهاض مخطط التهجير
المعركة الأولى والأشرس كانت سياسية بامتياز، منذ اليوم الأول، استشعرت القيادة المصرية وجود مخطط إسرائيلي (مدعوم بضوء أخضر غربي في البداية) لدفع سكان غزة نحو سيناء.
اللاءات المصرية: وضعت القاهرة "لاءاتها الثلاث" (لا للتهجير، لا لتصفية القضية، لا للمساس بالأمن القومي).
تغيير البوصلة: نجحت الدبلوماسية الرئاسية المصرية في تحويل الموقف الدولي من "التعاطف المطلق مع إسرائيل" إلى تبني الرفض المصري للتهجير، وهو ما ظهر في تصريحات بايدن والقادة الأوروبيين لاحقًا. كان هذا "فيتو" مصريًا منع نكبة جديدة.
الجبهة الثانية: "شريان الحياة".. معركة المعابر والمساعدات
بعيدًا عن السياسة، كانت هناك معركة لوجستية وإنسانية على الأرض.
تحدي القصف: رغم قصف الجانب الفلسطيني من معبر رفح 4 مرات، قامت المعدات المصرية بإصلاح الطريق فورًا تحت الخطر لفرض أمر واقع: "المعبر سيعمل".
أرقام تتحدث: تشير الإحصائيات الأممية إلى أن مصر قدمت وحدها ما يقرب من 80% من إجمالي المساعدات التي دخلت القطاع، متفوقة على مساهمات باقي دول العالم مجتمعة.
مستشفى مفتوح: تحولت مدن شمال سيناء (العريش، الشيخ زويد، بئر العبد) إلى مستشفى ميداني ضخم لاستقبال آلاف الجرحى وذويهم، بالإضافة لاستقبال الأطفال الخدج ومرضى السرطان.
الجبهة الثالثة: "كواليس المخابرات".. هندسة الهدنة والصفقات
هذه هي الجبهة التي لا يراها أحد، وتدور في الغرف المغلقة بين القاهرة والدوحة وتل أبيب.
الوسيط النزيه: لعب جهاز المخابرات العامة المصرية دور "المايسترو" في تقريب وجهات النظر المستحيلة بين حماس وإسرائيل.
الإنجازات الملموسة: كان الدور المصري حاسمًا في إنجاز "هدنة نوفمبر" التي أوقفت الحرب لـ 7 أيام وتم خلالها تبادل الأسرى، ولا تزال القاهرة هي المحطة الإجبارية لمديري المخابرات الأمريكية (CIA) والإسرائيلية (الموساد) في أي جولة مفاوضات جديدة.
الجبهة الرابعة: "المحامي الدولي".. المسار القانوني والدبلوماسي
لم تكتفِ مصر بالدور الإقليمي، بل صعدت الأزمة للمنابر الدولية.
قمة القاهرة للسلام: كانت أول تحرك دولي لجمع القادة ومواجهتهم بحقيقة ما يحدث، مما ساهم في كسر السردية الإسرائيلية الإعلامية.
دعم محكمة العدل: أعلنت مصر رسميًا دعم دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، بل وتقدمت بمذكرة قانونية لمحكمة العدل الدولية حول ممارسات الاحتلال، مما أعطى ثقلًا عربيًا وأفريقيًا للمحاكمة الدولية لإسرائيل.
مصر "حجر الزاوية"
يُظهر هذا الرصد الشامل أن الدور المصري لم يكن خيارًا بل قدرًا بحكم الجغرافيا والتاريخ. فمصر هي الدولة الوحيدة التي تمتلك مفاتيح الجغرافيا (المعبر)، ومفاتيح السياسة (العلاقة مع جميع الأطراف)، ومفاتيح الأمن (الحدود).
وبينما يستمر العدوان، تظل القاهرة تمسك بخيوط اللعبة المعقدة: يد تضمد الجرح في رفح، ويد تضرب على الطاولة في غرف المفاوضات، وعين ساهرة على حدود لا يُسمح باختراقها.
- "علي الطاهر": بين صمت "الحزب" واستحقاقي "الكنيست والكونغرس"
- دبلوماسي سابق: تفهم أمريكي متزايد لمحورية الدور المصري في الشرق الأوسط
- نجلاء العسيلي: القاهرة وباريس تقودان تحالفًا استراتيجيًا لحماية أمن المتوسط
- هند الضاوي: إسرائيل لن تكون جزءًا من النظام العالمي الجديد
- تصعيد متبادل على جبهة لبنان.. إسرائيل تؤكد تفوقها وصفارات الإنذار تدوي شمالًا



