استضافت القاعة الدولية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة لمناقشة رواية «ثمرة طه إلياس» للكاتب عبد الرحيم كمال، بحضور نخبة من المثقفين والنقاد، وهم الدكتور يسري عبد الله أستاذ الأدب العربي بالجامعة البريطانية، والنائبة والكاتبة ضحى عاصي، وأدار الندوة الدكتور حمدي النورج.
وفي تقديمه للندوة، قال الدكتور حمدي النورج إن مشروع عبد الرحيم كمال الإبداعي يتسم بالتنوع بين الرواية والمسرح، مؤكدًا أن هذا التنوع مشروع ومعروف لدى كبار الكتاب، مستشهدًا بنجيب محفوظ الذي جمع بين الرواية وكتابة السيناريو. وأوضح أن عبد الرحيم كمال بدأ مسيرته بالقصة القصيرة، وأصدر خمس مجموعات قصصية من بينها «العالم أحد مقتنياتي»، إلى جانب عدد من الروايات مثل «أبناء حورة»، و«كل الألعاب للتسلية»، وصولًا إلى روايته الجديدة «ثمرة طه إلياس».
وأضاف النورج أن الكاتب تعجّل في إصدار الرواية، إلا أن هذه العجلة جاءت – على حد تعبيره – في صالح القارئ والكاتب معًا، ومكّنته شخصيًا من مناقشة عمل روائي ثري ومختلف.
من جانبه، أعرب عبد الرحيم كمال عن سعادته بالحضور ومناقشة روايته الجديدة، مؤكدًا أن أجمل ما يمر به الكاتب هو أن يرى عمله مطبوعًا بعد شهور أو سنوات من الكتابة، ثم يناقَش بين محبيه والنقاد. وقال: «أتمنى أن تكون ثمرة طه إلياس ذات طعم جميل لدى القراء».
وأوضح كمال أن الرواية تحكي عن شخصية طه إلياس، المقيم في القاهرة، وما يمر به من تجارب إنسانية وعلاقته بالتكنولوجيا، وتحديدًا حواراته مع «شات جي بي تي»، إلى جانب علاقاته بأصدقائه ورحيلهم السريع من حياته. كما أشار إلى أن صدور الرواية جاء بعد فترة مرض، ما جعله أكثر سعادة بالاحتفاء بها والاستماع إلى آراء أساتذته وضيوفه.
وقدّم الدكتور حمدي النورج الكاتبة والنائبة البرلمانية ضحى عاصي، مشيرًا إلى مشروعها الإبداعي المتميز، وإلى خلفيتها الأكاديمية بوصفها خريجة أكاديمية الفنون.
وقالت ضحى عاصي إنها من المتابعين لأعمال عبد الرحيم كمال، مؤكدة أن لكل عمل يقدمه مذاقًا مختلفًا وقراءة خاصة. وأوضحت أن الرواية كانت تحمل في بدايتها عنوان «شجرة طه إلياس» قبل أن تستقر على عنوانها الحالي، ووصفتها بأنها من أجمل النصوص التي قرأتها.
وأضافت أن الرواية تطرح تيمة مختلفة نسبيًا عن موضوعات كمال السابقة، وتعتمد على قدرة عالية في التخييل ولغة ساحرة، مشيرة إلى تأثير النزعة الصوفية في نصوصه، وقدرته على تحقيق تماهٍ بين اللغة والشخصيات حتى في الأعمال البعيدة عن الصوفية.
وأكدت أن الرواية تناقش علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وتساؤلاتها حول ما إذا كانت الآلة مجرد أداة مساعدة أم خازنًا لأسرار البشر، لافتة إلى أن بطل الرواية يظل في حوار دائم مع «شات جي بي تي». كما رأت أن كمال نجح في الربط بين عالم طه إلياس بأزماته الإنسانية، وعالم افتراضي آخر يتولى إدارة الخوادم في أيرلندا.
وأشارت إلى مشاهد لافتة في الرواية، خاصة تلك التي يتخلص فيها البطل من مشاعره أمام الشاشة، معتبرة أن النص بلغ درجة عالية من الإقناع والتصديق، واصفة العمل بأنه «نص علمي مكتوب بسلاسة أدبية»، ويقدّم شخصيات مرسومة بعناية وأماكن نابضة بالحياة، مثل حانة «نيو آدم» أو «آدم العصري».
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن «ثمرة طه إلياس» رواية ممتعة «يستطعمها القارئ»، على حد تعبيرها.
من جهته، قال الدكتور يسري عبد الله إن الرواية تدور حول مفاهيم الغربة والاغتراب، والوجود الأصيل في مقابل الوجود الزائف، وتطرح أسئلة إنسانية عميقة تتعلق بالحنان والافتقاد في زمن التكنولوجيا.
وتحدث يسري عبدالله عن البناء الدرامي للرواية، مشيرًا إلى أن استهلالها يقوم على تكنيك المفارقة الدرامية، حيث يحضر منذ الجملة الأولى اسمان يمثل كل منهما عالمًا مغايرًا للآخر، في إشارة مبكرة إلى الشخصيتين المركزيتين في النص. وأوضح أن هذا الاستهلال يضع القارئ على «ضفاف الحدث الروائي» لا في قلبه، بما يعزز التشويق ويهيئ المتلقي للدخول التدريجي إلى عالم الرواية.
وأشار إلى أن تقسيم الرواية إلى 55 مقطعًا سرديًا يمنح كل مقطع استقلاليته بوصفه وحدة سردية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه يندمج ضمن البناء السردي الكلي للنص، بما يخلق حالة من الجدل بين الاتصال والانفصال داخل العمل. ولفت إلى أن هذه المقاطع يمكن قراءة بعضها بمعزل عن الآخر، لكنها تكتسب معناها الأعمق حين تُقرأ داخل السياق العام للرواية.
وتوقف عند حضور التيمات الرئيسية في النص، مثل الفقد، والاغتراب، والحنان، والقسوة، والرهافة، مشيرًا إلى أن شخصية طه إلياس تنظر إلى من سبقوه باعتبارهم «ثمارًا تساقطت من شجرة الحياة»، وهو تصور يستند إلى المخيال الشعبي والثقافة الشعبية، التي استطاع الكاتب توظيفها بوصفها مركزًا من مراكز الحكاية، قبل أن ينطلق منها إلى عوالم التكنولوجيا الحديثة وما تخلقه من قسوة وتشيوء.
كما أشار إلى قدرة الرواية على بناء مشهدية بصرية دقيقة، خاصة في توصيف الأماكن، معتبرًا أن أحد أهم الآليات التي تعتمد عليها هو مفهوم «الصورة الروائية»، الذي يتجلى بوضوح في المشهد الختامي، حيث ينتقل الكاتب بسلاسة من الواقع إلى المتخيل، مستدعيًا أيقونة مراكب الشمس المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، لتصبح واحدة من أبرز جماليات نهاية العمل.
وفي قراءة أوسع لمشروع عبد الرحيم كمال الإبداعي، أشار يسري عبدالله إلى أن تيمات الحق والخير والجمال تشكل جوهرًا فلسفيًا حاضرًا في أعماله، وأن تيمة الحب تمثل القاسم المشترك الأبرز بين إنتاجه الروائي والدرامي، باعتبارها تعبيرًا عن الجوهر الإنساني العميق، لا عن معناها الاستهلاكي المبتذل.
وأوضح أن كل عمل من أعماله ينطوي على مغامرة جمالية خاصة به، نابعة من منطق الكتابة ذاته، سواء في عصرنة الرؤية التراثية للسرد، أو في توظيف ألعاب السرد، أو في التعامل مع النص بوصفه لعبة فنية وجمالية. ورأى أن مغامرة «ثمرة طه» ترتكز على بعدين أساسيين: الأول موضوعاتي، يتصل بالهندسة الوراثية والتعديل الجيني وما يفتحه من أسئلة علمية وأخلاقية، والثاني جمالي، يتمثل في العلاقة الجدلية بين الإنسان والعالم الرقمي.
وأكد أن الرواية ترصد عالمًا متحولًا بلا ثبات، عالمًا تسوده السيولة وعدم اليقين، حيث تتقاطع الحياة اليومية لشخصيات تعيش في الهامش مع عوالم رقمية تصنعها قوى التكنولوجيا الجديدة، مستندة إلى الذكاء الاصطناعي وهيمنته المتزايدة. وأوضح أن تعدد الأصوات السردية في الرواية، من خلال شخصيات مستر أليكس، وطه إلياس، وصفاء، يجعل النص نموذجًا واضحًا للرواية البوليفونية متعددة الأصوات.
ثم تحدث الدكتور حمدي النورج قائلا: رواية «ثمرة طه» تطرح عددًا من القضايا الفنية اللافتة، من بينها عدم تماهي صوت الكاتب مع أصوات الشخصيات، حيث ينسحب المبدع إلى الخلف تاركًا المجال لخطابات متعددة تتجاور داخل النص. وأوضح أن الكاتب امتلك وعيًا واضحًا بفعل المناوبة الحوارية بين الشخصيات، فبرز خطاب آلي جاف صارم في مقابل خطاب إنساني محمّل بالمشاعر، وهو ما بدا جليًا في الفارق بين المونولوج والخطاب المتبادل، لا سيما بين شخصيتي شلبي وطه إلياس.
وأشار إلى أن كتابة الحوار تُعد من أصعب التحديات في العمل الروائي، لأنها تتطلب من الكاتب أن يتخلى عن السرد المباشر، ويضع شخصياته في مواجهة بعضها البعض، بحيث تمتلك كل شخصية أيديولوجيتها الخاصة، ولغتها، وطريقتها في التعبير عن المشاعر، بينما يظل الروائي في الإطار الخلفي. ولفت إلى أن عبد الرحيم كمال كان واعيًا بدرجة كبيرة بهذه الآلية، خاصة في إدارة العلاقة بين الآلة والإنسان داخل النص.
وأوضح النورج أن الرواية نجحت في تقديم كثافة لغوية دقيقة غير مرتبطة بزمن أو صوت واحد، ما منحها حركة زمنية تبدو رأسية للوهلة الأولى، لكنها في حقيقتها حركة أفقية ممتدة عبر 55 لوحة حوارية. ورأى أن هذه اللوحات لا تقوم على التنافس بين الحكي والسرد، بل تفتح مساحات حوارية تتيح لكل شخصية أن تقدم رؤيتها الخاصة للعالم، داخل إطار محكم الصنع نجح الكاتب في تشييده.
وتناول الدكتور حمدي النورج فكرة الاندهاش في الرواية، مشيرًا إلى أن عبد الرحيم كمال لم يعتمد على آلية المفاجأة أو عدم التوقع كما هو شائع في القراءات الكلاسيكية للرواية، بل تعمد الاشتغال على منطق التوقع، موظفًا إياه لخلق حالة من الألفة بين النص والقارئ، خاصة في ظل القضية الحساسة التي تطرحها الرواية والمتعلقة بالعلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإنسان.
وأكد أن خطاب الحب يظل حاضرًا بقوة في العالم الروائي لعبد الرحيم كمال، وهو ما ينعكس بوضوح في بنية اللغة، باعتبارها المعيار الأساسي لأي عمل روائي. واستشهد بمقتطف من الرواية يعبر عن شغف إنساني عميق بالحب والبكاء والدهشة، بوصفها طقوسًا جوهرية للإنسانية، لا مجرد انفعالات عابرة.
- نجوم الفن والمجتمع في ندوة ثمرة طه إلياس لعبد الرحيم كمال بحضور أشرف العشماوي
- شريف سعيد: لم أفكر في كتابة الدراما.. وتحويل الرواية عمل تليفزيوني رؤية أخرى
- قضية رواية «فناك»… الذكاء الاصطناعي متهما وحكما
- رحيل الروائي المصري «حمدي البطران».. مفارقة العدالة والأمن
- وفاة الكاتب والروائى حمدي البطران عن عمر 76 عاما






