في روايته الجديدة "طيف" دار الناشر، 2026 للكاتب عبد العليم حريص، يطرح أسطورة شعبية في بعض قرى الصعيد، لكنه لا يرويها بوصفها حكاية غريبة، بل يجعلها مدخلًا للتأمل في الإنسان، وفي علاقته بالماضي، وفي تلك الأفكار التي تبقى عالقة في الذاكرة مهما تغير الزمن.
أكثر ما يلفت الانتباه في الرواية أن الكاتب لا يفرض تفسيرًا واحدًا للأحداث. فهو يترك للقارئ حرية التفكير والتأويل، ولذلك قد يخرج كل قارئ بفهم مختلف للرواية، وهذه إحدى نقاط قوتها. فالنص الجيد هو الذي يظل مفتوحًا على أكثر من قراءة.
دلالات العنوان
يعد عنوان الرواية، "طيف"، مفتاحا رئيسا من مفاتيح القراءة، فالطيف هنا ليس مجرد شبح أو كائن غامض، وإنما رمز لكل ما يرافق الإنسان من ذكريات وأحلام وأسئلة لا تغادره. إنه الحاضر الغائب، أو الغائب الذي يظل حاضرًا في الوجدان.
اللغة السردية
لغة عبد العليم حريص جاءت هادئة وسلسة، لكنها في الوقت نفسه تحمل قدرًا من الشعرية التي تمنح السرد جمالًا خاصًا، فلا يشعر القارئ أن الكاتب يستعرض قدرته اللغوية، بل يستخدم اللغة لخدمة الحكاية، وهو ما يجعل القراءة ممتعة دون تكلف.
حاول الكاتب من خلال الوصف والتأمل تجسيد طقوس البيئة في الجنوب بصورة طبيعية، بعيدًا عن المبالغة أو التزيين. فالقرية في الرواية ليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل هي جزء من الشخصيات نفسها، بما تحمله من عادات ومعتقدات وحكايات تناقلها الناس عبر الأجيال.
ومن الملامح الجمالية في الرواية أنها تعيد الاعتبار للموروث الشعبي، لكنها لا تقدمه باعتباره حقيقة مطلقة، ولا باعتباره مجرد خرافة ينبغي السخرية منها، وإنما تنظر إليه بوصفه جزءًا من ذاكرة المجتمع، ومن الطريقة التي كان الناس يفسرون بها العالم من حولهم.
بنية الحدث
وربما كان أكثر ما يميز الرواية أنها لا تعتمد على الأحداث المتلاحقة بقدر اعتمادها على بناء حالة إنسانية وفكرية، ولذلك قد يشعر بعض القراء أن إيقاعها هادئ، وأنها تدعو إلى التأمل أكثر مما تدعو إلى متابعة المغامرات. وهذا ليس عيبًا، بل هو اختيار فني يناسب طبيعة الرواية.
ولا تخلو الرواية من بعض المقاطع التي كان يمكن أن تكون أكثر اختصارًا، خاصة حين يطول التأمل على حساب الحركة السردية، لكن ذلك لا يقلل من قيمتها، لأن الكاتب يظل ممسكًا بخيط الحكاية، ويعرف كيف يعيد القارئ إليها كلما ابتعد قليلًا.
في النهاية، تقدم "طيف" تجربة روائية مختلفة، تعتمد على المزج بين الواقع والأسطورة، وتطرح أسئلة عن الذاكرة والهوية والإنسان، دون أن تقدم إجابات جاهزة. وهي من الروايات التي لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تستمر في ذهن القارئ، وتدعوه إلى إعادة التفكير في كثير من التفاصيل التي مر بها أثناء القراءة.
لقد استطاع عبدالعليم حريص أن يكتب رواية تحترم عقل القارئ، وتستفيد من التراث الشعبي دون أن تقع في أسر الماضي، لتؤكد أن الحكايات القديمة ما زالت قادرة على أن تمنح الرواية المعاصرة روحًا جديدة، إذا وجدت الكاتب الذي يعرف كيف يعيد روايتها.
رواية طيف










0 تعليق