دُعيتُ لمشاهدة عرض «الأرتيست»، وهو عمل مسرحى درامى يتناول سيرة الفنانة الكوميدية الكبيرة الراحلة زينات صدقى، إحدى أيقونات الكوميديا النسائية فى مصر، وتقوم ببطولته الفنانة هايدى عبدالخالق، وهى ممثلة موهوبة بحق، استطاعت أن تلتقط صوت زينات المميز، وحضورها الجسدى، وهو عنصر بالغ الأهمية فى تكوين هذه الممثلة الأيقونية التى تألقت كممثلة مساندة فى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى.
العرض من تأليف وإخراج محمد زكى، برؤية تأملية تأخذنا فى جولة داخل الأيام الأخيرة من حياة زينات، بعد أن خبا نجمها، لنراها تعيش فى عزلة وفقر، عالقة فى ذكريات مجدها القديم، إلى أن تُبعث من جديد عبر دعوة من الرئيس الراحل أنور السادات لتكريمها شخصيًا.
تُحدث هذه الدعوة اضطرابًا فى منزلها الهادئ، الذى يضم ابنة أخيها وابن أخيها من شقيق قاطعها منذ سنوات، بعدما قطعت العائلة صلتها بها بسبب قرارها العمل كممثلة، القرار الذى اعتبره المجتمع المتحجر آنذاك فعلًا مشينًا تحكمه قواعد اجتماعية جوفاء، حين كان يُنظر إلى فنون الأداء بوصفها حكرًا على «المنبوذين»، فيما كانت العائلات المحافظة ترى فى التمثيل والرقص أفعالًا آثمة تتنافى مع تقاليدها.
ينسج محمد زكى وهايدى عبدالخالق مشاهد شاعرية، حيث صُمم المسرح ليحتوى عالم زينات من داخل عينها وذاكرتها؛ فما نراه نحن هو ما تراه وتتذكره هى، فبعد دعوة الرئيس، تحتاج زينات إلى فستان جديد لحضور التكريم، لكنها لا تملك المال لشرائه، فيدفعها هذا العجز إلى الغوص فى الماضى. تتلألأ الذكريات على خشبة المسرح، آخذةً الجمهور فى رحلة طويلة داخل «عالم داخل عالم»، نشهد خلالها الصراعات التى خاضتها من أجل الاستمرار فى التمثيل.
تقدم هايدى عبدالخالق أداءً رائعًا، إذ تعيد تشكيل صورة زينات بدقة لافتة رغم الاختلاف الواضح فى الملامح الجسدية بينهما، لا أعرف كيف فعلت ذلك، لكنها بدت وكأنها زينات نفسها، بكينا حين بكت، وضحكنا حين أرادت لنا أن نضحك.
كان أداء الممثلين جميعًا جيدًا إجمالًا، وقد جاء حضورهم فى الأساس لتسليط الضوء على وجودها وتجربتها. فـ«خيرية» صديقة زينات المقربة، التى جسدتها الفنانة بسمة ماهر، سرقت بعض الأضواء من هايدى فى لحظات محدودة، لكنها سرقة عابرة، حيث صمم العرض ليكون الدور الأساسى لكل أبطاله هو معاونة البطلة لتتألق، وكأن زينات «سندريلا» فى حكاية خرافية، والجميع موجود فقط ليضمن وصولها إلى الحفل.
تلعب السينوغرافيا دورًا محوريًا فى إعادة خلق تجاربها المؤلمة؛ إذ يتمحور الديكور حول خزانة ملابس كبيرة تتحول إلى محل خياطة، وإلى خزانة الماضى والحاضر فى آن واحد، ما يسمح بالسفر عبر الزمن على خشبة المسرح، مع بقاء زينات فى المركز.
ألمها الأعمق كان عائلتها وعداءها لمسيرتها الفنية. نادرًا ما نراها قلقة بشأن العمل ذاته- الإضاءة أو النجاح- بل كان همها الأكبر أن عائلتها كانت العائق الرئيسى فى حياتها كممثلة، يرتكز العرض بأكمله على هذه الفكرة، خصوصًا فى نهايته، حيث يُستحضر تسجيل حقيقى لمقابلة أُجريت معها عام ١٩٧٢، تتحدث فيه بصراحة عن ألمها بسبب رفض عائلتها عملها فى السينما، وتنهى حديثها بنداء مؤثر تطالب فيه العائلات بمنح أبنائهم فرصة العمل فى الفنون. العرض جيد بلا شك لكن يبقى أنه فى عام ٢٠٢٥، وبعد ما يقارب مائة عام، يقرر مخرج شاب تقديم عمل عن حياتها. وهى فكرة- فى حد ذاتها- مميزة وذكية، لم يكن من المتوقع أن تكون المعالجة آمنة أكثر مما ينبغى.. آمنة إلى حد أنها لم تعكس جرأتها ولا شجاعتها فى مواجهة كل شىء، بوصفها امرأة رائدة تمردت على الأعراف الاجتماعية لتحقيق حلمها، وحين أقول «جرأة»، لا أعنى كسر المحرمات، بل المجازفة المسرحية: فهى بدأت حياتها راقصة، فلماذا لم يتم استحضار الأغانى العديدة التى شاركت فيها فى أفلامها؟ لماذا لم يتم إبراز علاقاتها بزملائها من عمالقة الكوميديا مثل إسماعيل ياسين، الذين وقفت أمامهم نِدًّا وتسليط الضوء على أدوارها المساندة الخالدة؟
العرض ممتع للمشاهدة، إلا أن قصة زينات صدقى «الأرتيست» هى قصة شديدة التعقيد، غنية بالتفاصيل والجدل، لكنها قُدمت بصورة مبسطة.. مبسطة أكثر من اللازم. ومع ذلك، يبقى العرض جديرًا بالمشاهدة؛ إذ ينجح الحنين فى جذب الجمهور، إلى جانب الأداء التمثيلى الرائع، وقصة صادقة فى جوهرها.






