ضمن الفعاليات الثقافية للدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، شهدت إحدى قاعات المعرض ندوة نقدية لافتة لمناقشة المجموعة القصصية «شطرنج» للكاتب طارق محرم، في لقاء أدبي فتح بابًا واسعًا للنقاش حول واقع القصة القصيرة في المشهد الثقافي المعاصر، وأسباب تراجع حماس بعض دور النشر تجاه هذا الجنس الأدبي، مقابل الصعود اللافت للرواية، فضلًا عن استعراض الخصائص الفنية والجمالية التي تميزت بها المجموعة.
الندوة شارك في مناقشتها كل من الدكتورة صفاء النجار والدكتور يسري عبد الله، وأدارتها الدكتورة غادة لبيب، وسط حضور متنوع من كتاب ونقاد ومهتمين بالأدب السردي، حيث دار حوار عميق حول قيمة القصة القصيرة وقدرتها على التقاط التحولات المجتمعية والنفسية بلغة مكثفة ومباشرة، دون الإخلال بالبعد الجمالي أو الفني.
وفي كلمته، أكد الدكتور يسري عبد الله أن مجموعة «شطرنج» تمتلك مقومات القصة القصيرة بوصفها نوعًا أدبيًا مفتوحًا، مشيرًا إلى أن كل نوع أدبي له مقوماته الخاصة، لكنها ليست ثابتة أو مغلقة، فالأدب – على حد تعبيره – «ليس فنًا كهنوتيًا»، ولا يخضع لقواعد جامدة. وأضاف أن القصة القصيرة تقوم على معيارية منفتحة على مسارات تجريبية متعددة، بعيدة عن فكرة «نقاء النوع الأدبي» التي وصفها بأنها تصور قديم تجاوزه الزمن.
وأوضح يسري عبد الله، أن شرط الفن الأساسي هو أن يكون بلا شروط، وأن الإبداع يمتلك مساحة مستقرة لكنها غير ثابتة، ومنفتحة دائمًا على الاحتمالات. واعتبر أن السمة المركزية في القصة الجيدة تكمن في قدرتها على الاعتدال والتكثيف، منتقدًا التقسيمات الكمية التي تفرق بين النصوص على أساس الطول والقصر، واصفًا إياها بأنها «كلام عبثي وقديم». وأشار إلى أن الأنواع الأدبية عبر التاريخ كوّنت جماليات مستقرة نسبيًا، لكن النقاد الأوروبيين يتعاملون مع العمل الأدبي بسيولة لا نهائية، مؤكدًا أن «الكلمة الأخيرة في الأدب لم ينطق بها أحد بعد».
وأضاف أن الكتابة فعل تراكمي في جوهرها، وأن التراكمات المستمرة تقود في النهاية إلى تراكمات نوعية، وهو ما ينعكس على تطور التجربة الإبداعية للكاتب.
ولفت إلى أن قصص «شطرنج» تتنوع بين النسبي والقصر على المستوى البنائي، بينما تعتمد العديد منها على مواقف درامية ساخرة، تشكل خيطًا ناظمًا داخل المجموعة.
واعتبر أن تقنية المفارقة الساخرة من أبرز التكنيكات الحاضرة في النصوص، إلى جانب وفاء المجموعة للنوع الأدبي الكلاسيكي في مناطق عديدة، سواء من حيث البناء أو التكثيف أو الاختزال.
وتوقف الدكتور يسري عبد الله عند فكرة البحث في الأبعاد النفسية للشخصيات، أو عبر المونولوج الداخلي الذي يدور بين أبطال القصص. وأكد أن «شطرنج» رغم كونها المجموعة الأولى للكاتب، فإنها تخلو من «رائحة البدايات»، وتحمل عمقًا يتجاوز التجربة الأولى، ما يعكس نضجًا مبكرًا في أدوات السرد.
وأشار إلى أن الربط بين قصص المجموعة لا يتم عبر مسار واحد، بل من خلال مسارات متعددة تلتقي في وحدة شعورية وروحية تمثل جوهر النص في النهاية.
ولفت إلى أن عنوان أي مجموعة قصصية قد لا يكون حاضرًا نصيًا داخل القصص، لكنه يظل معبرًا عن عالمها الدلالي.
وأوضح أن المجموعة شطرنج تضم 31 قصة قصيرة، تحمل عناوين مفردة في أغلبها، تعكس حالات إنسانية مختلفة، لكنها تلتقي في عالم مشترك يغلب عليه حضور الموظفين وما يعتريهم من مشاعر اغتراب وضيق وتوتر.
وأكد الدكتور يسري، أن ظل الكاتب طارق محرم حاضر داخل النصوص، من خلال سخرية هادئة ممزوجة بالوقار، بوصفها شكلًا من أشكال التمرد الناعم.
واعتبر أن الاغتراب يظلل المجموعة بأكملها، وأن بنية الموظف تمثل البنية المهيمنة على عالم «شطرنج»، مع وجود أنماط أخرى من الحكي، لكنها جميعًا تصب في التعبير عن حالة إنسانية بعينها، تعكس تنوعات النفس البشرية وتناقضاتها.
وفي سياق حديثه عن العلاقة بين السرد والدراما، أشار الدكتور يسري عبد الله إلى مركزية السرد في الفنون الدرامية، مستشهدًا بإحصاءات تشير إلى أن عددًا كبيرًا من الأفلام العالمية مأخوذ عن أعمال قصصية وأدبية، مؤكدًا أن العلاقة بين الأدب والدراما هي علاقة تأثير وتأثر متبادل. ولفت إلى أن عددًا من كبار كتاب الدراما في العالم العربي جاءوا في الأصل من عالم القصة القصيرة، مثل أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد وعبد الرحيم كمال.
وتوقف عند بعض الصراعات داخل قصص «شطرنج»، ومنها صراع «الأقدام والأحدام »، معتبرًا أن ما يعتري الشخوص من إحباطات وإخفاقات يعكس ملامح خفية من أزمة الوطن. وأكد أن حالة الإخفاق المستمرة التي تسكن النصوص، إلى جانب السخرية والتمرد الناعم، تشكل جزءًا من الطاقة الإبداعية للكاتب.
وفي ختام كلمته، تحدث الدكتور يسري عبد الله عن النهايات القصصية، مؤكدا أن الكاتب يقول عمله الحقيقي عندما يختار اللحظة الحاسمة التي يصل بها إلى سيكولوجية المتلقي.
وميّز بين النهايات المغلقة والمفتوحة والتصالحية والسعيدة، معتبرًا أن النهاية السعيدة غالبًا ما تكون ساذجة، بينما تتنوع نهايات «شطرنج» بين الفنية وغير الفنية، بحسب طبيعة النص. وأكد أن المجموعة تبتعد عن خنادق الأيديولوجيا، وأن أبطالها ينتمون في أغلبهم إلى الطبقة البرجوازية، مختتمًا حديثه بتمنياته بأن يواصل الكاتب طارق محرم طريقه في الكتابة، لما تحمله تجربته من وعود سردية لافته.
- "شطرنج" تعيد الاعتبار لفن القصة القصيرة في ندوة نقدية بمعرض الكتاب
- فن القصة لا يموت.. 3 مجموعات قصصية صدرت حديثا
- «شطرنج» ودهشة القصة القصيرة.. ندوة نقدية تناقش تجربة طارق محرم في معرض القاهرة الدولي للكتاب
- صفاء النجار: الرواية يمكن أن تقول فيها كل شيء والقصة القصيرة تحتاج لتحجيم
- رئيس هيئة الاستثمار يشارك في فعالية بالبورصة المصرية لبحث فرص تعزيز الاستثمارات الأفريقية






