تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير صلاح منصور، أحد أكثر ممثلي جيل الستينيات عمقًا وتأثيرًا، وواحد من القلائل الذين أعادوا تعريف أدوار الشر في السينما المصرية، لا بوصفها قسوة مطلقة أو صخبًا مفتعلًا، بل باعتبارها حالة إنسانية معقدة، مشحونة بالصراع الداخلي، والتناقض النفسي، والظروف الاجتماعية القاسية، كان صلاح منصور ممثلًا مثقفًا، يعرف كيف يصنع من الدور حياة كاملة، وكيف يمنح الشخصية أبعادًا تتجاوز حدود المشهد لتستقر في الذاكرة.
ولد صلاح منصور في 17 مارس عام 1923 بمدينة شبين القناطر، وبدأت علاقته بالفن مبكرًا، حين وقف لأول مرة على خشبة المسرح المدرسي عام 1938، وهو لا يزال طالبًا في المرحلة الثانوية في تلك الفترة، كان المسرح المدرسي أحد أهم أدوات التنوير الثقافي، تحت إشراف رواد كبار مثل زكي طليمات، الذي لعب دورًا محوريًا في اكتشاف موهبة صلاح منصور وصقلها، ورغم اعتراض والده في البداية، وإصراره على أن يسلك ابنه طريق الوظيفة التقليدية، فإن إيمان والدته وموهبة الفتى اللافتة حسمتا الأمر لصالح الفن.
التحق صلاح منصور بمعهد التمثيل، وتخرج منه عام 1947، ليبدأ رحلة فنية طويلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، ولم تكن بدايته سهلة أو سريعة، بل جاءت عبر محطات متعددة، تنقل خلالها بين المسرح، والإذاعة، والصحافة، والسينما، والتليفزيون، في تجربة ثرية صنعت فنانًا شاملًا لا يكتفي بالأداء، بل يفهم بنية العمل الفني من الداخل.
في عام 1944، ظهر صلاح منصور لأول مرة على شاشة السينما من خلال فيلم «غرام وانتقام»، في دور صغير، لكنه كان كافيًا ليكشف عن حضور مميز، وصوت مختلف، ونبرة أداء غير معتادة، ومع مرور السنوات، أخذت موهبته في النضج، خاصة في الخمسينيات والستينيات، حين أصبح واحدًا من أهم ممثلي الأدوار النفسية المركبة، التي تحتاج إلى ممثل يمتلك حسًا داخليًا عاليًا، وقدرة على التعبير الصامت بقدر التعبير بالكلمة.
إلى جانب السينما، كان المسرح هو البيت الأول لصلاح منصور، ففي عام 1954، شارك مع عدد من أبناء جيله، وبالتعاون مع زكي طليمات، في تأسيس فرقة المسرح الحر، التي لعبت دورًا بارزًا في تطوير الحركة المسرحية المصرية، وتقديم نصوص جريئة، تحمل هم الإنسان والمجتمع، وعلى خشبة المسرح، قدم أعمالًا بارزة مثل «الناس اللي تحت»، و«زيارة السيدة العجوز»، و«يا طالع الشجرة»، وأثبت أنه ممثل قادر على السيطرة على الخشبة، وبناء الشخصية لحظة بلحظة أمام الجمهور.
كما لمع اسمه بقوة في الإذاعة المصرية، التي كانت آنذاك وسيلة فنية جماهيرية مؤثرة، شارك صلاح منصور في تمثيل وإخراج عدد كبير من الروايات العالمية، وكان من أوائل نجوم الدراما الإذاعية، وحصل عام 1954 على جائزة أحسن ممثل إذاعي، في مسابقة نظمتها إذاعة صوت العرب، تأكيدًا لمكانته الفنية المبكرة.
غير أن السينما كانت المجال الذي رسخ اسمه في الوجدان العام، خاصة في فترة الستينيات، التي تعد العصر الذهبي للسينما المصرية، بلغ صلاح منصور ذروة نضجه الفني، وقدم أدوارًا لا تنسى في أفلام مثل «لن أعترف»، و«الشيطان الصغير»، و«أرملة وثلاث بنات»، و«ليل ورغبة»، و«الزوجة الثانية»، في هذه الأعمال، لم يكن الشر عنده قناعًا واحدًا، بل طيفًا واسعًا من الانفعالات والدوافع، يتراوح بين القسوة والخوف، وبين الطمع والضعف الإنساني.
ويظل دور العمدة عتمان في فيلم «الزوجة الثانية» علامة فارقة في مسيرته، بل في تاريخ السينما المصرية بأكمله، جسد صلاح منصور الشخصية بعمق استثنائي، كاشفًا عن سلطة ذكورية متغطرسة، لكنها في الوقت نفسه مأزومة، خائفة من فقدان السيطرة، ومأسورة بمنطق القوة، لم يكن العمدة شريرًا كرتونيًا، بل نموذجًا اجتماعيًا واقعيًا، ما جعل الدور خالدًا، ومنح صلاح منصور لقب «عمدة السينما المصرية».
ولم يسع صلاح منصور يومًا إلى البطولة المطلقة، بل آمن بأن قيمة الممثل الحقيقية تكمن في تأثيره داخل العمل، لا في مساحة الدور لذلك، ظل حاضرًا بقوة حتى في الأدوار الثانوية، وكان عنصرًا أساسيًا في نجاح كثير من الأعمال، بفضل أدواته كممثل مثقف، يدرس الخلفيات النفسية والاجتماعية للشخصية، ويمنحها حياة كاملة.
إلى جانب التمثيل، خاض صلاح منصور تجربة الإخراج، فأخرج عددًا من المسرحيات، منها «عبد السلام أفندي» و«بين قلبين»، كما أخرج مسلسلات إذاعية، وكان آخر أعماله الإخراجية المسلسل الديني «على هامش السيرة»، الذي عرض قبيل وفاته.
نال الفنان الراحل عددًا كبيرًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة السينما عن دوره في فيلم «لن أعترف» عام 1963، وجائزة أفضل دور ثاني عن فيلم «الشيطان الصغير»، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1966، قبل أن يمنح جائزة الدولة التقديرية من أكاديمية الفنون عام 1978، تقديرًا لمسيرته الفنية الثرية.
وعلى المستوى الإنساني، عاشت حياة صلاح منصور محطات قاسية تركت أثرًا واضحًا على روحه وأدائه، فقد عانى ابنه هشام من مرض ضمور العضلات والتخلف الذهني، ما اضطره إلى السفر سنويًا إلى لندن للعلاج، واستنزف ذلك كل مدخراته، ثم جاءت صدمة وفاة ابنه بعد رحلة علاج طويلة، لتزيد من أوجاعه، كما فقد ابنه الآخر، أحد أبطال حرب أكتوبر، شهيدًا، فاستقبل الخبر بتوزيع الحلوى والشربات، تعبيرًا عن فخره ووطنيته، وتبرع بمكافأة ابنه الشهيد لصالح الجيش المصري.
في سنواته الأخيرة، أصيب صلاح منصور بسرطان الرئة وتليف الكبد، وحاول إخفاء مرضه عن أسرته، متمسكًا بكرامته وهدوئه، نقل إلى مستشفى العجوزة، وهناك، في صباح يوم الجمعة 19 يناير 1979، أسلم الروح عن عمر ناهز 55 عامًا، بعد حياة مليئة بالعطاء والصمت النبيل.
- في ذكرى رحيل سعيد طرابيك.. مسيرة فنية حافلة بين الكوميديا والدراما
- ذكرى رحيله.. طلعت زكريا ابن المسرح الذى صنع الضحكة ورحل فى هدوء
- اليوم انتهاء عروض مسرحية داليدا "قلبى مليان بحكايات"
- في ذكرى رحيل نجاح الموجي، “الواد مزيكا” صاحب الإفيهات التلقائية وهذا سر حفاظه على وظيفته الحكومية
- ذكرى رحيل نبيل الدسوقي.. مسيرة فنية حافلة في السينما والمسرح والتليفزيون





