يعد كتاب "الأمازيغ والبجا في مصر.. حكايات الهوية والفولكلور" الصادر عن دار المحرر للنشر والتوزيع هو الكتاب الرابع في مسيرة الكاتبة والباحثة الدكتور إسراء عصام، والذي يأتي بعد صدور سلسة من كتب مشغولة بالبحث الفكري والاجتماعي والسيكولوجي للمجتمعات، والتي منها: سيكولوجية المجتمع، أزمة العقل الاجتماعي، السينما والمجتمع الإيراني، وحصلت على منحة المجلس الأعلى للثقافة لكتاب " سيرة المكان والإنسان والأحوال".
في كتابها "الأمازيغ والبجا في مصر" تقدم إسراء عصام حالة تطواف معرفي حول جزء أصيل من تاريخ مصر الذي يبدو منسيا، ومهمشا، تكشف فيه تفاصيل حياة هذه المجتمعات بدء من الزي وصولا الى اللغة التي تحمل خصوصية لهذه المجتمعات. في التالي تكشف لنا إسراء عصام تفاصيل حياة قبائل الأمازيغ والبجا في مصر.
قالت الكاتبة والباحثة إسراء عصام: "اخترتُ مجتمعي الأمازيغ والبجا من بين المجموعات العرقية الأخرى في مصر بوصف هذا الاختيار محاولة أولى لتوثيق جانب من التراث والهوية المصرية، ومنظومة العادات والتقاليد التي كثيرًا ما تُدفع إلى الهامش. فلو أنني حاولت اختزال جميع هذه المجموعات في كتاب واحد، لكان المشروع قد احتاج إلى مجلدات كاملة لوصفها، وسرد تاريخها، والحديث عن تفرعاتها المتعددة وتشابكاتها الثقافية والاجتماعية.
وأضافت في تصريحات خاصة لـ"الدستور": "وقد وقع الاختيار جغرافيًا على أقصى الشمال الغربي وأقصى الجنوب الشرقي المصري، بناءً على اعتبارات جغرافية في المقام الأول؛ إذ فضّلت البدء بدراسة المجتمعات الصحراوية لما تحمله من خصوصية مميزة، ولما تتركه الصحراء، دونًا عن أي بيئة أخرى، من طباع وخصال عميقة في نفس الإنسان، وفي علاقته بالمكان، وبالزمن، وبالآخر، وما ذكرته في الفقرات السابقة يمكن اعتباره أحد جوانب الإجابة عن سؤال لما كل هذا البعد والتهميش، لكن هذا البعد يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا في حالة مجتمع البجا، الذي يعتبر أكثر تحفظًا وخصوصية وانعزالًا مقارنة بالمجتمع السيوي، نتيجة انقسامات الهوية التي يعيشها بين ما هو مصري وما هو سوداني، وبين صراعات أحقية الأرض، وهل هي مصرية أم سودانية:.

البجا بين مصر والسودان
أشارت عصام الى ان الأكيد أن القارئ قد تابع على الأرجح، كثيرًا من تلك المعارك على وسائل التواصل الاجتماعي بين المصريين والسودانيين حول هذه المسألة، وهي معارك غالبًا ما تؤجّجها لجان إلكترونية من الطرفين، بينما تظل جذوة التوتر الحقيقي كامنة تحت السطح. كل هذه الانقسامات، وكل هذا التشظي في الانتماء، جعل أبناء المنطقة يؤكدون على انهم جزءًا أصيلًا من الجغرافيا المصرية.
الهوية الإنسانية المشتركة
وتابعت: ولعل الهدف الأعمق من هذا الكتاب هو محاولة تجاوز الإنسان لفكرة الجغرافيا الصلبة، والانطلاق من تصور أوسع للهوية، يرى أن المرء- مهما اختلفت هويته، ومهما مال وجدانيًا أو سياسيًا إلى هذه الكفة أو تلك - يظل حاملًا لإنسانية واحدة، قادرة على الالتقاء مع الآخر عند نقاط ضوء مشتركة، تتجاوز الحدود والخطوط المرسومة على الخرائط.
المجتمع السيوي والانفتاح الحضري
وأكدت عصام على ان "المجتمع السيوي يعد أكثر انفتاحًا على الآخر، وهو انفتاح يمكن تفسيره بعديد من العوامل، من بينها عوامل جغرافية في المقام الأول، كالجوار المشترك مع مناطق حضرية، من بينها مدينة مرسى مطروح. هذا الجوار، وإن تخللته في بعض الفترات نزاعات قبلية بين البدو من جهة، وبين عشائر وعائلات سيوة من جهة أخرى، إلا أنه أسهم في خلق مزيد من التداخل الثقافي المشترك داخل المجتمع السيوي.
انفتاح تجلّى في المصاهرة والنسب بين العائلات البدوية والعائلات الأمازيغية، كما تجلّى في قيام أنماط من التجارة المشتركة بين الطرفين
سيوة والإسكندرية: تداخل ثقافي وخدمات ناقصة
وألمحت: كما أن أهل سيوة منفتحون كذلك على الثقافة السكندرية، وقد جمعت التجارة والعمل بين أبي - رحمه الله - وبين الحاج بلال جبريل، أحد أبناء شيوخ القبائل هناك. ولم يكن هذا الانفتاح بين سيوة والإسكندرية مدفوعًا بعامل التجارة وحده، بل جاء أيضًا استجابة لنقص حقيقي تعاني منه الواحة؛ إذ لا تتوافر بها خدمات صحية أو تعليمية بالكفاءة نفسها المتاحة في المناطق الحضرية الكبرى، مثل مدينة الإسكندرية.
ولا توجد جامعة كذلك داخل الواحة، الأمر الذي يدفع شباب وبنات سيوة إلى الالتحاق بجامعة مرسى مطروح أو جامعة الإسكندرية لاستكمال تعليمهم الجامعي.
لخّص الدكتور عبد العزيز الدميري هذا الوضع في جملة دالة: “الحكومة تقدم الكثير، وسيوة تحتاج إلى ما هو أكثر.”
الانفتاح والهوية المهددة
ووضحت: هذا الانفتاح من جانب الواحة تجاه المناطق الحضرية الكبرى كان له مردود طبيعي وبديهي من هذه المناطق الحضرية نحوها، وعلى عكس ما هو قائم وحالي في مثلث حلايب وشلاتين، فإلى جانب العامل الجغرافي الذي يجعل سيوة أكثر قربًا وجوارًا، بوصفها قبلة سياحية، فضلًا عن طبيعتها الجغرافية التي تمنحها تميزًا أرضيًا وموارديًا داخل.






