ربما تُصاب بالدهشة أيها القارئ الكريم جرّاء عنوان المقال؛ إذ جرى العرف أن نقول «المصرى أفندى»، فلماذا أُعَنوِن مقالى «اليونانى أفندى»؟ فى حقيقة الأمر هذا كان عنوان محاضرتى فى الندوة المهمة التى أقامها المركز الثقافى اليونانى، وتحت رعاية السفارة اليونانية فى القاهرة، حول «اليونانيون فى مصر الحديثة».
وعلاقة اليونان بمصر علاقة وثيقة يدعمها التاريخ والجغرافيا؛ إذ استمرت هذه العلاقات، رغم تقلب الأزمنة والعهود، منذ مصر القديمة وحتى مصر المعاصرة. كما كان البحر المتوسط، ولا يزال، صلة ربط بين اليونان ومصر، ربما نستطيع تفهم ذلك فى إطار «المتوسطية» الفكرة والروح والمصالح التى تربط بين شعوب المتوسط، وبصفة خاصة مصر واليونان. فى حقيقة الأمر دخلت العلاقات بين الشعبين، المصرى واليونانى، مرحلة جديدة مع وصول محمد على إلى الحكم، ومشروعه لبناء الدولة الحديثة فى مصر، ومشاركة المهاجرين اليونانيين فى هذا المشروع.
وهناك صورة نمطية تكونت فى أذهاننا عن اليونانى فى مصر، البقال اليونانى والجرسون اليونانى، من خلال أفلام الأبيض والأسود، خاصة أفلام الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى. والحق أنه تم اختزال الدور اليونانى فى مصر من خلال ترسخ هذه الصورة النمطية فى العقل الجمعى المصرى الحالى. من هنا حاولت الندوة إلقاء الضوء على الصورة الحقيقية للدور الذى لعبه اليونانيون فى مصر الحديثة والمعاصرة.
شارك الأستاذ مصطفى عبيد، الصحفى والباحث فى التاريخ، بورقة تدور حول إحدى أشهر الشخصيات اليونانية الثرية فى تاريخ مصر، وهو كوتسيكا، والذى لا يزال اسمه يُطلق على أحد أحياء القاهرة بين المعادى وحلوان، كما يُطلق اسمه على إحدى محطات الخط الأول من مترو القاهرة، وكان كوتسيكا من أهم رجال الصناعة فى مصر، حيث أنشأ مصنعًا للمواد الكحولية فى هذه المنطقة. وكان مصطفى عبيد قد خصص فصلًا عن كوتسيكا فى كتابه «سبع خواجات فى مصر». وجدير بالذكر أن اسم كوتسيكا كان عنوانًا لرواية للكاتبة غادة العبسى.
كما قدم المؤرخ الأكاديمى اليونانى- الأمريكى ألكسندروس كيترويف ورقة مهمة حول الدور الاقتصادى لكبار العائلات اليونانية فى مصر، حيث استعرض أسماء أهم هذه العائلات، والأجيال المختلفة من هذه العائلات ربما حتى ستينيات القرن العشرين. كما استعرض المجالات المختلفة للأنشطة الاقتصادية لهذه العائلات، لا سيما فى صناعة السجائر والتبغ بشكل عام، والمشروبات الكحولية، وتجارة وحلج القطن، فضلًا عن الاستثمار فى وسائل النقل، بالإضافة إلى صناعة الورق. وأوضح الباحث أنه بالتأكيد استفاد هؤلاء من مزايا الامتيازات الأجنبية آنذاك، لكنهم استمروا فى نشاطهم التجارى حتى بعد إلغاء هذه الامتيازات، ما يعتبر دليلًا على مدى ارتباطهم ببلدهم الثانى مصر.
أما عن ورقتى فكانت عن الطبقة الوسطى اليونانية فى مصر، وهو ما أطلقت عليه «اليونانى أفندى»، مثلما كان «المصرى أفندى» رمزًا للطبقة الوسطى المصرية آنذاك. وفى الحقيقة كثيرًا ما يتم التركيز على دراسة اليونانى الثرى، أو عامة اليونانيين من بقال أو جرسون، وليست هناك دراسات كثيرة حول الطبقة الوسطى، الأكثر فاعلية فى المجتمع، والأكثر اقترابًا من مثيلتها المصرية.
لذلك اخترت الاعتماد على المصادر غير التقليدية فى كتابة التاريخ، وبصفة خاصة الروايات اليونانية التى كتبها يونانيون مُتمصرون، باللغة اليونانية، وتمت ترجمة بعضها مؤخرًا إلى اللغة العربية. ويرجع ذلك إلى كون الأدب مرآة للمجتمع، ومن ناحية أخرى فإن كُتَّاب هذه الروايات هم من أعمدة الطبقة الوسطى اليونانية فى مصر، كما أنهم عملوا فى مصر كموظفين، مثلهم مثل الطبقة الوسطى المصرية، كما جابوا طول البلاد وعرضها، لذلك أطلقت عليهم «اليونانى أفندى».
ومن أشهر هؤلاء الأديب اليونانى الشهير تسيركاس وروايته «نورالدين بومبة» عن أحداث ثورة ١٩ فى صعيد مصر. ويُذكَر أن تسيركاس عاش فى أبوتيج وديروط فى صعيد مصر لمدة عشر سنوات، حيث عمل كمحاسب ثم كمدير لمحلج قطن. وعلى نفس الخط نجد رواية الأديب القبرصى الشهير فيليبوس، صاحب رواية «تجار القطن» التى قال عنها إنها: «رواية كُتِبَت بلسان يونانى ولكن بقلب مصرى». ويُذكر أن فيليبوس قد عمل خلال الفترة من عام ١٩٢٣ وحتى ١٩٤٥ بين بيوتات تجارة القطن فى القناطر الخيرية فى دلتا مصر، وفى سمالوط فى الصعيد.
وجدير بالذكر أن تسيركاس ومجموعة من المثقفين اليونانيين اليساريين المقيمين فى مصر قد وجّهوا نداء مكتوبًا موجهًا إلى المثقفين الإنجليز والفرنسيين للضغط على حكوماتهم من أجل وقف العدوان واحترام سيادة مصر فى عام ١٩٥٦.
تحية لليونانى أفندى، وللصداقة اليونانية المصرية.
- نائب وزير الخارجية اليونانى لـ«الدستور»: نتعاون مع مصر بشكل وثيق.. والعلاقات «أخوية»
- اليونان تستعيد كنوز أثرية بعد سنوات من الملاحقة القانونية
- اليونان وأوكرانيا توقعان اتفاقًا لإنتاج مسيرات بحرية مشتركة لتعزيز القدرات الدفاعية
- حفيد رئيس وزراء إيطالى يعيد مزهرية قديمة أهدتها الحكومة اليونانية لجده
- مواقيت صلاة العشاء اليوم 15 أكتوبر 2026 في القاهرة والمحافظات






