تحل ذكرى ميلاد الإعلامية القديرة سهير شلبي لتعيد إلى الواجهة واحدة من أهم التجارب الإعلامية في تاريخ التليفزيون المصري، تجربة امرأة آمنت بالكلمة، وانتصرت للعقل، وقدمت نموذجًا مختلفًا للإعلام الجاد الذي لا يلهث خلف الإثارة، بل يصنعها بالوعي والمعرفة، لم تكن سهير شلبي مجرد مذيعة ناجحة، بل كانت مدرسة متكاملة في الحوار، وصوتًا نسائيًا قويًا.
منذ بداياتها، بدت سهير شلبي مختلفة، هادئة في أدائها، عميقة في أسئلتها، صارمة في اختيار موضوعاتها، ما جعلها تحجز مكانًا ثابتًا في ذاكرة المشاهد المصري والعربي، لم تعتمد على الانفعال أو الصوت المرتفع، بل راهنت على الفكرة، وعلى احترام عقل الجمهور، فنجحت في أن تكون واحدة من أكثر الإعلاميات تأثيرًا في تاريخ الإعلام المرئي.

بداية الطريق وصناعة الذات
ولدت سهير شلبي في زمن كانت فيه المهنة الإعلامية لا تزال في طور التشكل، خاصة بالنسبة للنساء، دخلت مجال الإعلام مدفوعة بشغف حقيقي بالكلمة والبحث، لا بالرغبة في الشهرة، امتلكت منذ البداية وعيًا مهنيًا جعلها تدرك أن المذيع ليس ناقلًا محايدًا للأخبار فقط، بل شريك في صناعة الوعي العام.
قدمت الإعلامية سهير شلبي مجموعة مميزة من البرامج التلفزيونية والحوارية التي رسّخت حضورها على الشاشات المصرية، وجعلتها واحدة من أبرز الإعلاميات في مجال المنوعات والفن. من أبرز هذه البرامج «تاكسي السهرة» و«دردشة»، اللذين قدّما مساحة للحوارات المفتوحة والمباشرة مع الشخصيات العامة والفنانين.

كما كان برنامج «نجوم في القلب» من أهم أعمالها، وهو برنامج بدأ على الإذاعة مع الإعلامية الراحلة آمال العمدة، ثم انتقل إلى الشاشة مع سهير شلبي في فترة أوائل الألفينات، ليصبح من أشهر برامج المنوعات والفن على التليفزيون المصري. وقد استضاف البرنامج عددًا كبيرًا من النجوم الكبار في مصر والعالم العربي، مقدمًا للجمهور لمحة عن حياتهم الشخصية والفنية، وما خلف الكواليس، بأسلوب جذاب يجمع بين العمق والمرح.
تميزت سهير شلبي في البرنامج بقدرتها على إدارة الحوار بحزم وهدوء في آن واحد، كانت تعرف متى تصغي، ومتى تقاطع، ومتى تطرح السؤال الذي يفتح أبوابًا مغلقة، لم تكن تبحث عن إحراج الضيف، بل عن الحقيقة، وهو ما منح البرنامج مصداقية عالية، وجعل المشاهد يشعر أنه أمام إعلام يحترم وعيه.

صوت المرأة وقضايا المجتمع
لم تنفصل سهير شلبي يومًا عن قضايا المرأة، لكنها لم تتعامل معها من منطلق شعاراتي أو عاطفي، بل من زاوية اجتماعية وإنسانية عميقة، ناقشت مشكلات التعليم، والطلاق، والعنف الأسري، والعمل، والتمكين، واضعة المرأة في قلب المجتمع لا على هامشه.
وفي الوقت نفسه، لم تحصر نفسها في «إعلام المرأة»، بل ناقشت قضايا الوطن الكبرى، معتبرة أن الإعلامي الحقيقي لا يتجزأ، وأن الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي حلقات متصلة لا يمكن فصلها.
كما لعبت دورًا مهمًا في تدريب أجيال جديدة من الإعلاميين، سواء بشكل مباشر أو عبر تأثير تجربتها، حيث أصبحت نموذجًا يحتذى به في الالتزام المهني واحترام أخلاقيات الحوار.

حضور لا يعتمد على الزمن
رغم تغير الخريطة الإعلامية، وتحول الشاشات، وتبدل أدوات التأثير، ظل اسم سهير شلبي حاضرًا بوصفه أحد رموز الإعلام الجاد، لم ترتبط قيمتها بزمن بعينه، بل بأسلوب مهني وإنساني قادر على البقاء، لأن جوهره قائم على الاحترام والصدق.
اليوم، ومع استعادة مسيرتها في ذكرى ميلادها، يتأكد أن الإعلام الحقيقي لا يشيخ، وأن التجارب الصادقة تظل حية مهما تغيرت الأجيال والمنصات.
قدمت سهير شلبي للإعلام المصري نموذجًا نادرًا للإعلامية المثقفة، التي تجمع بين الجرأة والاتزان، وبين قوة السؤال واحترام الإجابة، لم تكن نجمة تبحث عن الضوء، بل عقلًا يسعى إلى إضاءته.
- المجلس القومي للمرأة ينظم ندوة «صوت المرأة في الإعلام» بمعرض القاهرة للكتاب
- من "عبد العزيز" إلى "رشوان": نطالب بثمار الحوار الوطني لتطوير الإعلام
- المنظمة العربية للحوار تبحث استعادة دور الإعلام في بناء طفل واعٍ
- أحمد عبد الوهاب يكتب.. زينب المطروشي.. إعلام بطعم التراث والثقافة العربية
- لمواجهة ظاهرة "بيع الهواء".. "الأعلى للإعلام" يعلن إيقاف بث 3 برامج على "الحدث اليوم" و"الشمس"





