لا تتحقق النهضة الثقافية في أي مجتمع بوصفها منحة يتفضل بها أحد، ولا نتيجة جهود حكومية منفردة، ولا ثمرة مبادرات فردية متناثرة، بل تنهض حين يصبح الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن جزءًا من الضمير العام، وحين تتعامل الدولة، والقطاع الخاص، والمؤسسات، والأفراد مع الثقافة بوصفها واجبًا لا رفاهية، والتزامًا لا مجاملة، وشرطًا من شروط التنمية لا بندًا تجميليًا في التقارير الرسمية. هكذا تقول تجارب الأمم التي سبقت، وهكذا تُثبت وقائع التاريخ أن التنمية المستدامة لا تبنى بالسواعد وحدها، بل بالعقول التي تُنير الطريق، وبروح المشاركة التي تُحوّل الوطن إلى مشروع حياة مشترك.
في السياق المصري، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف المسؤولية المجتمعية باعتبارها جزءًا من العقد الوطني الجديد، لا خيارًا أخلاقيًا يلتزم به البعض ويتجاوزه البعض الآخر.
فالشركات التي تعمل وتربح، والمؤسسات التي تستفيد من البنية الوطنية، والهيئات التي تتحرك تحت مظلة الدولة، لا يصح أن تكون أطرافًا مستقبلة فقط، وإنما شركاء في بناء الوعي، ودعم التعليم، ومساندة الثقافة والفنون. تخيّل لو أصبح تجديد الترخيص أو فتح فرع جديد أو توثيق نشاط اقتصادي مرتبطًا بمشروع ثقافي أو تعليمي حقيقي، مشروع يضيف للمجتمع ولا يكتفي بالبقاء شعارًا على الورق.
تخيّل سجلًا وطنيًا تعلن فيه الدولة بوضوح: هذه شركات التزمت وعملت وقدمت، وهذه شركات اكتفت بالانتفاع ولم تُشارك، مع جوائز تقدير تُمنح لمن جعل من الربح وسيلة لخدمة البشر، لا غاية مكتفية بذاتها.
وليس القطاع الخاص وحده مدعوًا لتحمّل دوره، فالنقابات والنوادي والجمعيات الأهلية تملك طاقة هائلة إذا خرجت من أسوارها الداخلية نحو المجتمع. حين تقدم النقابات ورشًا مجانية للأطفال، أو ترعى مواهب شابة في الأقاليم، أو تنظم عروضًا فنية في القرى، أو تذهب بالثقافة إلى حيث لا تذهب عادة، يصبح لها معنى أبعد من كونها كيانًا وظيفيًا أو ناديًا مغلقًا على أعضائه.
في تلك اللحظة، تتحول إلى مؤسسة حياة، وتصبح شريكًا حقيقيًا في بناء إنسان أكثر وعيًا.
ثم تأتي المسؤولية الفردية، وهنا يبرز دور المثقف والفنان والأستاذ الجامعي والمسؤول العام. الشهرة ليست امتيازًا معزولًا، والموهبة ليست ملكًا خاصًا، والمنصب ليس كرسيًا للوجاهة.
الفنان الذي يصل صوته إلى الملايين عليه أن يرد الجميل مرة واحدة على الأقل كل عام: زيارة مدرسة في قرية، تدريب ورشة في مدينة بعيدة عن الضوء، مشاركة في مشروع ثقافي يلمس الناس. الأستاذ الجامعي بدوره لا يُقاس علمه فقط بما ينشره من أوراق بحثية، بل بما يقدمه للمجتمع الذي موّل تعليمه ومنحه مكانته.
والمسؤول الذي يرتقي منصبًا عليه أن يرتقي بوعيه تجاه المجتمع أيضًا؛ لأن من صعد في المسؤولية ينبغي أن يحمل من هموم الناس مقدار ما يحمله من نفوذ وسلطة وتأثير.
ولأن كل رؤية تحتاج إطارًا يحميها من الذوبان في النوايا الحسنة، تبدو الحاجة واضحة لقانون وطني للمسؤولية المجتمعية، يحوّل هذا التصور إلى منظومة لها قواعد ومتابعة وآليات تقييم، ويؤسس جهازًا مستقلًا يراقب الأداء ويكافئ من يصنع أثرًا حقيقيًا لا شكليًا. عندها فقط لا تبقى الشعارات مجرد كلمات جميلة، بل تتحول إلى حركة اجتماعية شاملة تضخ موارد مالية وفكرية وبشرية في مجالات الثقافة والتعليم والفنون، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتُعيد الثقافة إلى مكانها الطبيعي: قلب المجتمع لا هامشه.
ومن هنا تُفتح بوابة السؤال الأكبر: ماذا لو خرجت الثقافة من خانة “النشاط الرمزي” ودخلت إلى خانة “الصناعة الاقتصادية”؟ ماذا لو نظرنا إلى الثقافة في مصر لا باعتبارها حالة وجدانية أو إرثًا نحتفي به فقط، بل قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على خلق الوظائف، وتوليد الدخل، وتحريك عجلة التنمية؟ العالم فهم ذلك مبكرًا.
تقارير الأمم المتحدة واليونسكو تؤكد أن الصناعات الإبداعية تسهم بنسب معتبرة من الناتج القومي في دول كثيرة، وتوفر ملايين الوظائف، وتعيد تشكيل صورة الدول في الداخل والخارج. الاقتصاد الإبداعي ليس شعارًا شاعريًا، بل شبكة صناعات تشمل السينما والمسرح والموسيقى والنشر والتصميم والحرف اليدوية وصناعة الألعاب الرقمية والموضة والسياحة الثقافية، وكل ما يعتمد على الموهبة والخيال والمعرفة ليصنع قيمة اقتصادية ملموسة.
ومصر ليست فقيرة في هذا المجال، بل غنية إلى حد يُدهش العالم لو أُحسن استثماره، لدينا تاريخ فني يمتد عقودًا، وتراث شعبي زاخرًا بالصور والحكايات، وشبابًا مليئًا بالطاقة والإبداع، وسوق سينمائية هي الأوسع عربيًا رغم أزماتها، وحرفًا تقليدية يمكن أن تملأ العالم جمالًا لو وجدت الدعم والتسويق. لكن الواقع يعاني من مركزية زائدة، وضعف تمويل، وبيروقراطية خانقة، ونقص في البنية التحتية الحديثة، إضافة إلى حماية ضعيفة للملكية الفكرية، وكأننا — رغم امتلاكنا الذهب — نتركه مطمورًا في الرمال.
التغيير هنا لا يحتاج معجزة، بل قرارًا واضحًا: إنشاء هيئة وطنية للاقتصاد الإبداعي تتعامل مع الثقافة باعتبارها استثمارًا، لا بندًا ثانويًا؛ إدراج الصناعات الثقافية في الخطط الاقتصادية الرسمية؛ تحديث القوانين؛ دعم الشركات الناشئة الإبداعية؛ فتح مدارس ومعاهد فنية متخصصة؛ إعفاءات ضريبية في البداية؛ وتشجيع القطاع الخاص على أن يكون شريكًا استثماريًا لا راعيًا خيريًا مؤقتًا، تجارب بريطانيا والهند وكولومبيا وغيرها تقدم دروسًا جاهزة لمن يريد أن يتعلم: حين تُصنع الجسور بين الثقافة والعمل، وبين الموهبة والاقتصاد، يصبح الإبداع قوة إنتاج حقيقية لا زينة تكميلية.
في النهاية، تبدو الفكرة كلها وكأنها نداء واحد بصيغ متعددة: لا نهضة بلا مسؤولية، ولا تنمية بلا ثقافة، ولا مستقبل بلا اقتصاد إبداعي يمنح الموهبة وزنها، والانتماء قيمته، والعمل معناه. المسؤولية المجتمعية عقد أخلاقي وحضاري بين الدولة والمجتمع، وبين الثروة والعدالة، وبين من يمتلكون القدرة ومن يحتاجون الأمل.
والثقافة ليست مرآة تُظهر حال الأمة فقط، بل قد تصبح الآلة التي تدفعها إلى الأمام، إذا آمنّا بأنها ليست ترفًا، بل ضرورة حياة. حين نصل إلى تلك اللحظة، لن تظل النهضة حلمًا مؤجلًا، بل واقعًا يُبنى يومًا بعد يوم، بجهد الجميع، ولمصلحة الجميع.
- كيف تساهم قصور الثقافة فى إنجاح مشروع "الثقافة حياة"؟
- الثقافة تستعد لإطلاق مشروع الثقافة حياة لنشر الفنون والمعرفة بالمحافظات
- حصاد الثقافة فى أسبوع.. مشروع الثقافة حياة وتعزيز وصول الجمهور للمسارح
- وزيرة الثقافة تستعرض إنجازات الـ 100 يوم الأولى وتعلن ملامح الثقافة حياة
- افتتاح الدورة الأولى لمعرض شلاتين لكتاب الطفل بمشاركة قطاعات وزارة الثقافة ودور النشر






