لم يكن استخدام العامية في الشعر العربي حدثًا عابرًا، ولا خروجًا ساذجًا على تقاليد اللغة الفصحى، بل تحوّل على يد محمود بيرم التونسي (23 مارس 1893 - 5 يناير 1961) إلى فعل ثقافي مقصود، وأداة مقاومة، ومنبر للوعي الشعبي. فقد أعاد بيرم تعريف الشعر العامي لا بوصفه فنًّا هامشيًا أو تسلية شفوية، بل باعتباره خطابًا ثقافيًا واجتماعيًا قادرًا على مساءلة السلطة، وكشف التناقضات، والاقتراب من وجدان الناس بلا وسائط ولا أقنعة.
قبل بيرم، كانت العامية حاضرة في الزجل والمواويل والأغاني الشعبية، لكنها غالبًا ما ارتبطت بالترفيه أو الوصف العاطفي المباشر. جاء بيرم التونسي ليمنحها بعدًا آخر؛ إذ حوّلها إلى لغة نقد اجتماعي وسياسي، تحمل وعيًا حادًا بالواقع، وتستند إلى ثقافة واسعة، وقدرة لافتة على التقاط المفارقات.
لم يتعامل بيرم مع العامية بوصفها بديلًا للفصحى، بل باعتبارها لغة موازية، تمتلك أدواتها وبلاغتها وشرعيتها، وقادرة على التعبير عمّا تعجز عنه اللغة الرسمية أحيانًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالسخرية والتهكم وكشف الزيف.
وُلد محمود بيرم التونسي في الإسكندرية عام 1893، ونشأ في بيئة شعبية صاغت وعيه اللغوي والإنساني. لم يكن شاعرًا يتحدث عن الشعب من علٍ، بل شاعرًا يكتب من داخله. لذلك جاءت قصائده مشبعة بروح الشارع، ومفردات المقهى، ونبرة البائع والعامل والموظف البسيط.
لم تكن العامية عند بيرم مجرد وسيلة للتقريب، بل كانت موقفًا ثقافيًا واضحًا: الانحياز للناس ضد النخبة المتعالية، وضد اللغة الخشبية التي تزين القهر ولا تفضحه.
أبرز ما ميّز تجربة بيرم التونسي هو قدرته على تحويل السخرية إلى سلاح ثقافي فعّال. ففي زمن الاستعمار والملكية، كانت قصائده اللاذعة تفضح الظلم الاجتماعي، وتنتقد الاستبداد السياسي، وتسخر من النفاق الديني والاجتماعي، مستخدمًا لغة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها.
لم تكن سخريته تهريجًا، بل شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية، جعلت شعره عرضة للملاحقة والنفي. وقد دفع بيرم ثمن هذا الموقف غاليًا حين نُفي خارج مصر أكثر من مرة، لكنه ظل وفيًا للغته وخياره الفني، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة بالعامية أقوى من أي سلطة.
على عكس ما يروّج له البعض، لم تكن تجربة بيرم مع العامية نكوصًا إلى الوراء، بل شكلًا مبكرًا من الحداثة الشعرية. فقد كسر الثنائية التقليدية بين “الرفيع” و“الشعبي”، وأعاد تعريف مفهوم الشعر ذاته، ليصبح مرتبطًا بالتجربة الإنسانية لا بالمقام اللغوي.
كما قدّم نصوصًا مفتوحة على الغناء والمسرح والصحافة، وأسهم في تطوير الأغنية المصرية الحديثة عبر تعاونه مع كبار الملحنين والمطربين، وفي مقدمتهم سيد درويش، حيث امتزج الشعر العامي باللحن ليصنع وعيًا جمعيًا جديدًا.
لم تتوقف تأثيرات بيرم التونسي عند جيله، بل امتدت إلى شعراء العامية الكبار مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين، وصولًا إلى أشكال معاصرة من الشعر والغناء السياسي والاجتماعي. لقد أسس تقليدًا ثقافيًا يرى في العامية لغة مشروعة للإبداع والفكر، لا مجرد أداة تواصل يومي.






