فنزويلا والتدخل العسكري الأميركي

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ُمثّل التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، وما اقترن به من القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، نموذجًا فاضحًا لتداخل ما يُعرف بـ«الحق في التدخل» Right to Intervene – R2I مع منطق الهيمنة الإقليمية، في لحظة كاشفة لاختلال العلاقة بين القانون الدولي واستخدام القوة في النظام الدولي المعاصر. فهذه الواقعة، بما تحمله من دلالات قانونية وسياسية، تكشف كيف يمكن للمفاهيم التي نشأت في سياق حماية المدنيين ومنع الفظائع الجماعية أن تتحوّل، عند إعادة توظيفها انتقائيًا، إلى أدوات لإعادة هندسة السلطة وفرض الإرادة السياسية بالقوة.

لقد تبلور مفهوم «الحق في التدخل» داخل إطار الأمم المتحدة باعتباره امتدادًا إجرائيًا وأخلاقيًا لمبدأ «مسؤولية الحماية» Responsibility to Protect – R2P ، الذي أُقرّ رسميًا في القمة العالمية عام 2005، في محاولة لمعالجة أحد أكثر الإشكاليات تعقيدًا في العلاقات الدولية: كيفية التوفيق بين مبدأ سيادة الدولة، الذي شكّل حجر الزاوية في النظام الدولي منذ The Peace of Westphalia، وبين الواجب الجماعي بحماية الشعوب من الجرائم الأشد جسامة، وقد قام هذا المبدأ علي فرضية أساسية مفادها أن السيادة لم تعد حصنًا مطلقًا ضد التدخل أو المساءلة، بل أصبحت مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة تجاه سكانها.

غير أن هذا التحوّل لم يكن، منذ نشأته، مفتوحًا على إطلاقه أو آليه تبرر استخدام القوة بلا قيود، بل أُحيط بجملة من الضوابط الصارمة التي تهدف إلى منع تسييس الاعتبارات الإنسانية، وفي مقدمة هذه الضوابط التأكيد على الطابع الاستثنائي للتدخل، بحيث لا يُصار إليه إلا في حالات محددة بدقة، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، وبعد استنفاد جميع الوسائل السلمية، بما في ذلك الدبلوماسية والوساطة والضغوط السياسية والاقتصادية، كما اشترط الإطار القانوني لمبدأ مسؤولية الحماية صدور تفويض صريح من مجلس الأمن، بوصفه الجهة الوحيدة المخوّلة، وفق ميثاق الأمم المتحدة، بإقرار استخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية.

ومن ثمّ، فإن التدخل العسكري الأحادي، الذي يجري خارج هذا الإطار المؤسسي، ويتجاوز الآليات القضائية الدولية المعترف بها، لا يمكن إدراجه قانونيًا ضمن مفهومي R2I أو R2P إذ إن القبض على رئيس دولة بالقوة العسكرية، يخرج علي أي مسار قضائي دولي مشروع، ويُعدّ انتهاكًا صريحًا لمبادئ السيادة والمساواة بين الدول، ويُمثّل انحرافًا جوهريًا عن فلسفة الحماية ذاتها ،  ففي هذه الحالة، يتحوّل مبدأ الحماية من أداة جماعية مُقنّنة، تهدف إلى منع الجرائم الكبرى، إلى ممارسة قسرية تفرض تعريفًا أحاديًا للشرعية، وتُخضع القانون الدولي لميزان القوة بدلًا من أن يكون هو الإطار الناظم لها.

وفي عمقه الاستراتيجي، لا يمكن فصل هذا النمط من التدخل عن الإرث التاريخي لمبدأ مونرو Monroe Doctrine، الذي أُعلن عام 1823 بوصفه تحذيرًا أميركيًا للقوى الخارجيه من التدخل في شؤون الأميركيتين. غير أن هذا المبدأ، الذي اتخذ في بداياته طابعًا دفاعيًا، تحوّل تدريجيًا عبر القرنين التاسع عشر والعشرين إلى عقيدة جيوسياسية تُبرّر اعتبار أميركا اللاتينية مجال نفوذ أميركيًا خاصًا، تُمارَس فيه أشكال مختلفة من الهيمنة السياسية والاقتصادية، وأحيانًا العسكرية، تحت ذرائع تتبدّل بتبدّل السياقات.

وفي حاله فنزويلا ، يلتقي هذا الإرث الجيوسياسي مع خطاب «التدخل الإنساني» في صيغة إشكالية، حيث يُستدعى البعد الإنساني لتبرير تدخل عسكري يُفضي إلى إعادة ترتيب قسري للسلطة داخل دولة اخري ذات سياده، ويستهدف السيطرة على مواردها الاستراتيجية ، وبهذا المعنى، يصبح التدخل أداة لإدارة النفوذ الإقليمي والدولي، لا وسيلة لحماية المدنيين، وتغدو القيم المعلنة غطاءً لاعتبارات المصلحة والقوة.

كما يُمثل التدخل العسكري الأمريكي في حاله فنزويلا استئنافاً واضحاً  لمنطق تغيير الأنظمة Regime Change، غير أنّه جاء هذه المرة في صيغة مختلفة عن النماذج الكلاسيكية التي شهدها العقدان الأخيران في الشرق الأوسط، فبدلاً من اللجوء إلى التدخل العسكري واسع النطاق وما يصاحبه من تدمير ممنهج لمؤسسات الدولة والبنية التحتية، كما حدث في العراق عام 2003، أو تفكيك الدولة عبر التدخل الجوي والدعم العسكري غير المباشر كما في ليبيا عام 2011، أو الانخراط في صراع مركّب متعدد المستويات كما في سوريا، اقتصر التدخل في فنزويلا على استهداف رأس السلطة السياسية عبر القبض على رئيس الدولة، مع الحرص النسبي على إبقاء مؤسسات الدولة قائمة، وتجنّب الانهيار الشامل لكيان الدولة ذاته. ويعكس هذا التحوّل تطوّرًا تكتيكيًا في مقاربة تغيير الأنظمة، يسعى إلى تقليل الكلفة السياسية والإنسانية للتدخل، والحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار الوظيفي، بما يسمح بإعادة توجيه السلطة بسرعة، دون تحمّل أعباء إعادة الإعمار أو إدارة الفوضى طويلة الأمد،

غير أن هذا الأسلوب، رغم اختلاف أدواته، لا يُغيّر من جوهر الإشكالية القانونية والأخلاقية، إذ يظلّ تغيير النظام بالقوة، حتى في صيغته «المحدودة» أو «الجراحية»، انتهاكًا لمبدأ السيادة وعدم التدخل، ويُعيد إنتاج منطق الهيمنة ذاته، وإن جاء بأدوات أقل تدميرًا، لكنه أكثر خطورة من حيث تطبيع فكرة استبدال الأنظمة عبر إجراءات قسرية خارج أي إطار دولي مشروع

إن الخطر الأكبر في هذا المسار لا يقتصر على تقويض سيادة دولة بعينها، بل يمتد ليطال فكره النظام الدولي القائم  علي القواعد  The rules-based international order ، فحين يُفرَّغ مبدأ «مسؤولية الحماية» من ضوابطه القانونية، ويُعاد توظيفه بصورة انتقائية، يتحوّل من رافعة أخلاقية وقانونية إلى سابقة خطيرة تُشرعن التدخل الأحادي، وتُضعف الثقة في المؤسسات الدولية، وتفتح الباب أمام نظام دولي تُعاد فيه صياغة الشرعية وفق اعتبارات النفوذ لا وفق أحكام القانون الدولي. وفي ظل هذا التحوّل، لا يعود القانون أداة لتنظيم استخدام القوة، بل يصبح تابعًا لها، بما ينذر بتآكل أحد أهم الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

 

السفير عمرو حلمي 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق