تحل اليوم ذكرى رحيل الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، الذي غادر عالمنا في 4 يناير عام 1941، بعد أن ترك أثرًا بالغ العمق في الفكر الفلسفي الحديث، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول الزمن والوعي والروح، في مواجهة النزعات المادية والعقلانية الصارمة التي سادت عصره، ويعد برجسون أول من أسس لما عرف بـ«فلسفة العملية» أو فلسفة الصيرورة، التي تنطلق من الحركة والتغير المستمر بوصفهما جوهر الوجود.
يحتل هنري برجسون مكانة استثنائية في تاريخ الفلسفة الحديثة، إذ لم يكن تأثيره محصورًا في الدوائر الأكاديمية فحسب، بل امتد إلى الأدب والدين والفن، بفضل أسلوبه الأدبي البليغ القادر على مخاطبة القارئ المتخصص والعام على السواء، وقد توج هذا الأسلوب الرفيع بحصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1927، تقديرًا لقوة أفكاره وثراء لغته وتأثيره الثقافي الواسع.
سعى برجسون في مشروعه الفلسفي إلى إنقاذ القيم الروحية التي رأى أنها تضررت بفعل المذهب المادي، مؤكدًا إيمانه العميق بالروح وبالحدس بوصفه أداة أساسية للمعرفة، في مقابل العقل التحليلي وحده، وركز على مفهوم «المدة» الزمنية، معتبرًا أن الزمن ليس مجرد وحدات ميكانيكية متعاقبة، بل تجربة حية متدفقة يعيشها الوعي الإنساني في استمراريته وتعقيده.
حظي برجسون خلال حياته بشهرة واسعة في فرنسا، تجاوزت حدود الفلسفة لتصل إلى الأوساط الأدبية والدينية، وهو ما جعله ظاهرة فكرية بامتياز، غير أن هذه الشعبية أثارت جدلًا حادًا في الأوساط الرسمية والفكرية، إذ اعتبرت آراؤه في نظر بعض مسؤولي الجمهورية الفرنسية معارضة للموقف العلماني والعلمي السائد آنذاك، بسبب دفاعه الصريح عن القيم الروحية والبعد غير المادي في تفسير الوجود.
قدم هنري برجسون عددًا من المؤلفات التي أصبحت علامات بارزة في الفكر الفلسفي، من بينها: «محاولة في الوقائع المباشرة للوجدان»، و«المادة والذاكرة»، و«التطور الخلاق»، و«الفكر والمتحرك»، و«الضحك»، و«الطاقة الروحية».
كما خاض سجالًا فكريًا لافتًا مع عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين حول طبيعة الزمن، نتج عنه كتاب «المدة والتزامن: برجسون وآينشتاين»، الذي أثار جدلًا واسعًا حول مدى إلمام برجسون بالفيزياء الحديثة.
ورغم الانتقادات التي وجهت إليه في هذا السياق، ظل برجسون شخصية محورية في الفكر العالمي، كما استفاد من خبرته الدولية خلال رئاسته للجنة التعاون الفكري في عصبة الأمم منذ عام 1920، والتي ضمت أسماء بارزة مثل آينشتاين وماري كوري، وفي ذكرى رحيله، يبقى هنري برجسون واحدًا من أعلام الفلسفة الذين أعادوا الاعتبار للزمن الحي والروح الإنسانية في عالم يتغيّر بلا توقف.






