في كل دورة من دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب، لا يكتفي الحدث الثقافي الأكبر في العالم العربي بعرض أحدث الإصدارات، بل يسعى إلى إعادة فتح أبواب الذاكرة، واستدعاء الرموز التي صنعت وجدان الثقافة المصرية.
ومع اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ شخصيةً لمعرض القاهرة الدولي الـ 57، يعود السؤال القديم جديدًا: كيف ما زال محفوظ حاضرًا، رغم مرور أعوام على رحيله؟ والإجابة تبدأ من مكانٍ واحد: متحف نجيب محفوظ، القابع في قلب القاهرة التاريخية، كأنه امتداد حيّ لعوالمه الروائية.
يقع متحف نجيب محفوظ في تكية أبو الدهب بمنطقة الأزهر، في فضاءٍ يجاور أحياء الجمالية والحسين، حيث وُلد محفوظ عام 1911، وحيث تشكّلت ملامح عالمه السردي الأول. هنا، لا يبدو المتحف مجرد قاعة عرض، بل رحلة زمنية تعيد الزائر إلى شوارع «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، حيث الإنسان البسيط، والأسئلة الكبرى، والتحولات الاجتماعية والسياسية.
منذ اللحظة الأولى لدخول المتحف، يشعر الزائر أن المكان لم يُصمَّم لتأبين كاتب، بل لاستحضاره؛ فكل ركن يحكي حكاية، وكل صورة تفتح بابًا لرواية.
تتوزع محتويات المتحف على عدد من القاعات، تبدأ بسيرة نجيب محفوظ منذ الطفولة والدراسة، مرورًا بعمله الوظيفي في وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة، وصولًا إلى تتويجه بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، بوصفه أول أديب عربي يحصل عليها.
تضم القاعات: صورًا نادرة لمحفوظ في مراحل عمره المختلفة، مخطوطات بخط يده لمسودات بعض أعماله، نسخًا أصلية من رواياته الأولى، مقتنيات شخصية، من بينها نظارته الشهيرة، وأدوات مكتبه، وبعض متعلّقاته اليومية.
كل قطعة هنا لا تُعرض باعتبارها أثرًا جامدًا، بل بوصفها شاهدًا على لحظة كتابة، أو تفكير، أو تأمل.
أحد أكثر أركان المتحف تأثيرًا هو ذلك الذي يركّز على الجانب الإنساني في حياة محفوظ: علاقته بأصدقائه، جلساته في المقاهي، حواراته مع المثقفين، وموقفه الهادئ من الصخب السياسي والفكري الذي دار حوله طوال حياته.
وتكشف الصور والوثائق كيف عاش محفوظ بسيطًا، منتظمًا، شديد الانضباط، مؤمنًا بأن الكتابة فعل يومي يشبه العمل، لا نوبة إلهام عابرة. وهي فكرة تنعكس في شهادات معاصريه المعروضة على جدران المتحف، حيث يتكرر وصفه بـ«الكاتب الذي علّمنا معنى الالتزام دون ضجيج».
ولا تكتمل الجولة دون التوقف عند قاعة مخصصة لأعمال نجيب محفوظ التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات. فهنا ملصقات لأفلام مثل:"بداية ونهاية، زقاق المدق، اللص والكلاب، الكرنك"؛ إلى جانب شاشات تعرض مقاطع مختارة، تؤكد كيف تجاوز محفوظ حدود الرواية ليصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة البصرية للمصريين.
في ركن خاص، يحتفي المتحف بلحظة حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، عبر صور الاحتفال، ونص كلمة الجائزة، وتغطيات صحفية مصرية وعالمية. هنا يتبدى محفوظ بوصفه ليس كاتبًا فردًا، بل رمزًا لثقافة كاملة وصلت إلى العالمية دون أن تتخلى عن محليتها.
اختيار نجيب محفوظ شخصية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب يمنح المتحف أهمية مضاعفة، باعتباره المساحة التي يتحول فيها الاسم من عنوان على لافتة، إلى تجربة ملموسة. فزيارة المتحف تصبح امتدادًا طبيعيًا لزيارة المعرض، وجزءًا من الاحتفال برمزٍ لا يزال حيًا في وجدان قرائه.






