لم يكن صدور كتابين جديدين لاسمين كبيرين بعد رحيلهما مجرّد مصادفة نشر، بل جاء نتيجة اختيار واعٍ اتخذته أرملتا كاتبين كبيرين بالانحياز لما تركه ذووهم غير مكتمل، وإخراج نصوص مؤجلة من الأدراج إلى فضاء القراءة، في محاولة أخيرة لعدم ترك المشروعات الأدبية معلّقة عند لحظة الغياب.
ففي توقيت متقارب، ظهر كتاب «شأني وشأن الآخرين» للروائي والكاتب الصحفي السكندري الراحل محمد جبريل، وكتاب «في الفاضية والمليانة» للكاتب الكبير صبري موسى، ليشكّلا معًا نموذجًا لدورٍ جديد لا يقتصر على الحفظ أو الجمع، بل يتجاوزهما إلى استكمال ما لم يُنجز قبل الرحيل.
فقد تولّت الدكتورة زينب العسال والكاتبة الصحفية أنس الوجود رضوان مهمة ترتيب ونشر نصوص ظلّت خارج التداول، مؤمنتين بأن الغياب لا يجب أن يكون نهاية للمشروع، بل لحظة استدعاء لما تأجّل.
لم يكن هذا الانحياز للنصوص فعلًا عاطفيًا خالصًا، بل قراءة واعية لتراثٍ كان في حاجة إلى ترتيب وتقديم جديدين. ففي «شأني وشأن الآخرين»، تُقدّم زينب العسال نصوصًا تُكمل مسار محمد جبريل في الكتابة عن ذاته وعلاقته بالعالم، بينما تفتح أنس الوجود رضوان في «في الفاضية والمليانة» نافذة على عالم صبري موسى الإنساني واليومي، مستعيدة مقالاته وملاحظاته التي لم تُجمع في كتاب من قبل.
هكذا، لا يقف الكتابان عند حدود التوثيق، بل يتحولان إلى فعل إنقاذ متأخر، يُعيد للنصوص غير المنشورة حقها في الوجود، ويمنح القارئ فرصة نادرة للاقتراب من ملامح مشروعين أدبيين كان من الممكن أن يظلا ناقصين لولا هذا الانحياز الأخير للكتابة.
«شأني وشأن الآخرين»… استكمال مشروع الذات
أعلنت الروائية الدكتورة زينب العسال عن صدور كتاب «شأني وشأن الآخرين» للكاتب الراحل محمد جبريل (17 فبراير 1938 – 29 يناير 2025)، ضمن سلسلة كتاب أخبار.

كتابٌ يندرج ضمن مشروع طويل دأب جبريل على إنجازه: الكتابة عن الذات بوصفها مرآةً للعالم، وعن العالم بوصفه امتدادًا للذات.
في تصريح خاص لـ"الدستور"، تؤكد العسال أن جبريل «كان دائم الغوص في عالمه الخاص، يفتت التفاصيل ويعيد بناءها في نصوصه بروح تأملية»، مضيفةً أن الكتاب الجديد «حلقةٌ أكثر قربًا من القارئ، وأعمق في البوح»، حيث تتجاور الاعترافات مع الذكريات، والتأملات مع أسئلة الإبداع والحياة.
هنا لا يكتفي الكاتب بسرد ما عاشه، بل يعيد تشكيل علاقته بالأمكنة والأشخاص والكتابة نفسها.
الكتاب- بحسب العسال- يمثل امتدادًا طبيعيًا لعالم محمد جبريل الأدبي والإنساني؛ إذ يستحضر شخصيات شكّلت ذاكرته الإبداعية، ويعرض رؤيته لفلسفة السيرة الذاتية بوصفها كتابةً متواصلة لا تنتهي بكتابٍ واحد.
وهو ما ينسجم مع مسيرة جبريل التي اتسمت بالتعدد والثراء، حيث ترك إرثًا سرديًا واسعًا ضمّ روايات باتت علامات في الأدب المصري والعربي
«في الفاضية والمليانة»… استعادة صوت لا يخبو
على الضفة الأخرى، صدر حديثًا كتاب «في الفاضية والمليانة.. ملاحظات نكدية على حياتنا اليومية» للكاتب الكبير صبري موسى، بإعداد زوجته الكاتبة الصحفية أنس الوجود رضوان.
كتابٌ يعيد تقديم مقالات ويوميات صاحب «فساد الأمكنة»، كاشفًا كواليس حياته وطقوسه ومفارقات عالمه، من نافذة حميمة تُطلّ على الإنسان قبل الكاتب.

على غلاف الكتاب، تأتي شهادة دالة: «ليس سهلًا أن تمسك بروح كاتب كبير مثل صبري موسى»، فالرجل الذي كتب كما عاش- بحدّة البصيرة ودفء الإنسان وجرأة السؤال- حوّل المقالة القصيرة إلى مساحة تتجاور فيها الصحافة مع الخيال، والسخرية مع الحكمة.
كانت كتاباته ذات خصوصية نادرة، تمتزج فيها روح الأديب بخيال السيناريست ووعي الصحفي، ليخرج النص حيًّا قادرًا على الإمساك بلحظات الإنسان ومفارقات الحياة بعمق وبساطة في آن.
اختيار عنوان «في الفاضية والمليانة» لم يكن اعتباطيًا؛ فهو يلخص روح كتابات صبري موسى، حيث خفة الظل، وصدق الملاحظة، والشغف بتأمل البشر في لحظات الامتلاء والفراغ معًا.
والكتاب - كما تشير مُعدّته- ليس مجرد استعادةٍ للماضي، بل محاولة لإبقاء صوتٍ مؤثر حاضرًا في وجدان القراء، وتعريف الأجيال الجديدة بمبدع ظل تأثيره ممتدًا لا تحدّه حقبة.
- أنس الوجود رضوان: كتاب فى الفاضية والمليانة انطلاقة لسلسة كتب عن صبرى موسى
- أنس الوجود رضوان: صبري موسى كان دائمًا يتنبأ بالمستقبل عبر مقالاته وأعماله السينمائية
- "في الفاضية والمليانة".. مقالات نابضة بروح صبري موسى تصدر للجمهور لأول مرة
- أحلامها المؤجلة وفصول رحلتها ومشروعات أوقفتها الرقابة.. إلهام شاهين تحتفل بتوقيع كتاب «موعد مع إلهام»
- معرض الطفل بالشلاتين، كتب ورسومات وكورال يرسمون البسمة على وجوه أبناء الجنوب






