يمر عام كامل على رحيل ملك الغناء الشعبي أحمد عدوية الاسم الذي لم يكن مجرد مطرب صعد من الهامش إلى قلب الأغنية المصرية، بل حالة إنسانية واجتماعية شكلت وجدان أجيال متعاقبة؛ في ذكرى الغياب، لا يعود صوته وحده حاضرا في الذاكرة، بل تعود تفاصيل إنسان عاش حياته خارج القوالب المعتادة للنجومية، قريبا من الناس، متواضعا رغم الصيت، ومؤمنا بأن الفن الحقيقي لا يكتمل إلا بالانحياز للبسطاء، أحمد مرسي علي عون، المولود في الرابع من يوليو عام 1943 بمركز مغاغة في محافظة المنيا، حمل معه إلى القاهرة لهجة الجنوب وروح الشارع، وصنع من الأغنية الشعبية جسرا يصل بين الفرح والحزن، وبين الحارة والسينما، وبين المسارح والمقاهي.
خلف الأضواء، عاش حياة لم ترو ولم تكتب تفاصيلها في العناوين وخلال هذه السطور نقترب من الجانب الخفي في حياة أحمد عدوية، عبر شهادة سائقه ورفيق دربه نحو عشرين عاما، منصور سعيد الشهير بـ «منصور عدوية»، الذي يفتح دفاتر الذاكرة كاشفا كيف عاش الفنان الراحل قريبا من الناس، وفيا لهم حتى أيامه الأخيرة.
عدوية أب للجميع وبيته مفتوح دائما
يروي منصور سعيد، سائق الفنان الراحل، أن بداية علاقته بأحمد عدوية لم تكن مصادفة عابرة، بل جاءت عبر خيط إنساني بسيط جمع والده بالفنان قبل الشهرة الكاسحة، فكان والده يعمل في إحدى الصيدليات بمنطقة المعادي، بالقرب من المنزل الذي كان يسكن فيه عدوية، موضحا أن والده كان يذهب أحيانا لإعطاء بعض الحقن والأدوية للفنان حين يتعرض لوعكات صحية بسيطة، لتنشأ مع الوقت علاقة ود واحترام متبادل.
يضيف منصور، أن هذه العلاقة تطورت تدريجيا إلى أن طلب عدوية سائق له فرشحني والدي، وبالفعل ذهبت لمقابلته، وأول لقاء جمعنا كان مليئا بالترحاب، حيث قابله الفنان الراحل بحفاوة كبيرة وأثنى على والده، معتبرا أن تلك اللحظة كانت بداية مسيرة طويلة من القرب والثقة، ويؤكد: «من يومها اشتغلت معاه كسواق ليه وللأسرة، وبقيت موجود في تفاصيل حياتهم اليومية».

ويوضح السائق، أن علاقته بعدوية تجاوزت حدود العمل، إذ كان في كثير من الأحيان يقوم بتوصيل ابنه وابنته إلى المدرسة، واستمر ذلك حتى مراحلهم الجامعية، وكان الفنان الراحل كان يتعامل معي باعتباري فردا من العائلة لا مجرد موظف، يقول: «كنت حاسس إني واحد من البيت، مش مجرد سواق».
إنسان قبل أن يكون نجما
يتحدث منصور عن الجانب الإنساني في شخصية أحمد عدوية، مؤكدا أنه كان كريما بطبعه، لا يتأخر عن مساعدة أي شخص مهما كانت حالته، ويشير إلى أن الفنان الراحل، رغم شهرته واستقراره المادي في عز تألقه، لم يغلق بابه يوما في وجه محتاج، بل كان يسعى بنفسه إلى تقديم العون دون ضجيج.
يسترجع السائق مواقف عديدة تدل على هذا الكرم من بينها تجهيز عرائس ومساعدة شباب على الزواج حين كانت ظروفهم المادية صعبة إضافة إلى دعمه لجيرانه في منطقة المعادي، خاصة حين يعلم بوجود شخص عاطل عن العمل فكان يشتري سيارات أجرة (تاكسي) لبعضهم ليعملوا عليها ويعولوا أسرهم، في تصرفات إنسانية لم يكن يسعى لتسويقها أو الحديث عنها.
يشير منصور، إلى أن الفنان الراحل اشترى عمارة كاملة في المعادي، خصصها لسكن فرقته الموسيقية ومعارفه دون مقابل، لافتا إلى أن من بين من أقاموا في هذه العمارة الملحن الراحل حسن أبو السعود، في دلالة على طبيعة العلاقة التي كان عدوية ينسجها مع من حوله، قائمة على المشاركة لا المنفعة.

ويؤكد السائق، أن أحمد عدوية كان محبوبا من جميع سكان المعادي، من الكبير قبل الصغير، ومن الغني قبل الفقير، موضحا أنه كان شديد التواضع، يحب الجلوس مع جيرانه على المقاهي وأمام المنزل، دون حواجز أو مظاهر نجومية، ويقول إن الأطفال كانوا يلتفون حوله دائما، وكان يبادلهم المزاح والضحك، ويحب وجودهم من حوله.
كما يروي السائق أن جيرانه كانوا يدعونه لتناول الأكلات الشعبية التي يحبونها، مثل السمين والكفتة، وكان يستجيب لدعوتهم ويجلس بجانبهم يتناول الطعام في بساطة شديدة، كما كان يحرص في المناسبات المختلفة على دعوتهم وعزومتهم، معتبرا ذلك جزءا من حياته اليومية التي عاشها عدوية بتلقائية نادرة، لم يتصنع ولم يتغير، وظل قريبا من جمهوره حتى اللحظات الأخيرة، معتبرا أن سر حب الناس له لم يكن صوته فقط، بل قلبه الذي ظل مفتوحا للجميع.

- فى زمن الأبيض والأسود.. نجوم الفن بين مدرجات الأهلى والزمالك
- كل ما تريد معرفته عن أزمة بيع منزل ومقتنيات الفنان الراحل هانى شاكر
- نجل أحمد منيب: والدي نقل موسيقى النوبة للمجتمع المصري بصدق
- لماذا يرفض نجوم كبار مشاهدة أفلامهم؟
- منصور لمجلس الأمن: الاستيطان والضم والهدم والتطهير العرقي تهديد وجودي للشعب الفلسطيني




